Wednesday, April 02, 2008

يوميات ابتسام في بلاد العم سام ٢

منذ المرة الثانية التي جاءت فيها ابتسام إلي هذه البلاد يلازمها قلق وحيرة لا نهائيين بين العودة والاستقرار . كانت تشتكي لزميلاتها السعودية " أنا مش عاوزة بجد اقعد هنا ، بس كمان بجد مش عاوزة ارجع مصر دلوقتي خالص "
ابتسام تعرف جيدا أن قلقها المزمن وراءه ذلك اليوم الذي لا تنساه ، تلك الوحدة القاسية التي اعتصرت قلبها في ذلك النهار في ميدان آوكلاند في بتسبرج ، انهت موعدها لتفقد مكان جديد للانتقال اليه ، ثم رافقها لموقف الاتوبيس رجل عراقي ليدلها علي الطريق، كان المكان في منزل عجوز مصري يعيش وحيدا هو الآخر ، لأن زوجته تتنقل بشكل دائم بين أولادهم بين السعودية وإحدي الولايات الأخري ، لم يعجبها المكان وأردات أن تغادر أسرع ما تستطيع ، أخذ الرجل يخرج طعاما من البراد ويلح عليها أن تتناول غداءها " بتحبي الفراخ .. دي حلال ..؟ طب هاعملك ساندوتش " الرجل الذي كان يقارب عمر والدها يعيش في منزل نموذجي لرجل في مثل عمره، براد ملئ بكل أنواع الطعام ومائدة جانبية مليئة بزجاجات الدواء . لم تكن تشعر برغبة في الطعام، لكن حتي لا ترد كرم الرجل الطيب تقبلت بود ما قدمها لها من طعام بعد أن قام بلفه في ورق مفضض . أخذها الرجل العراقي الذي كانت تلهث وراء خطواته في اتجاه تل صاعد إلي موقف الاتوبيس ، لم تتحدث إليه لكنها تتذكر جيدا كلاماته القليلة عن الغربة وقسوتها وملابسه غير المهندمة وشعره الأشعث.
بعد أن تركها الرجل اكتشفت أنها ليست متأكدة تماما من رقم الاتوبيس الذي عليها انتظاره ، وهاتفت صديقتها التي كان يجب أن تمر عليها لتأخذها إلي "السيرك" ، وعدتها أن تأتي إليها أقرب ما تستطيع...
وقتها بدأ الضوء ينسحب من السماء ، ليقبض علي قلبها احساس مضن بالوحشة لم يختبره قلبها من قبل .. شعرت أن كل من تحب بعيد .... أمها .. شقيقتها وأصدقها .. هي وحدها تماما في هذا العالم

في هذه اللحظة انقلبت لديها جميع الموازين .. كانت دائما تشرع ذراعيها في الصور المختلفة ولا تتوقف عن الحديث عن رغبتها في السفر والسفر والسفر .. الآن لا رغبة لديها في المزيد .. لا ترغب في المزيد من اللهاث وراء الضوء الوهمي الذي لن تبلغه أبدا ..
كل ما تريده أن تكون " معه" ذلك الذي سوف تسند إليه ذراعيها ليسيرا معا نحو خمسينيات وستينيات عمرهما .. تستند عليه في الصباح وتناوله دواءه في المساء

لا تريد أن تكون وحيدة مرة أخري في ميدان عام في بلاد غريبة والضوء ينسحب من السماء . لذلك قررت ابتسام أن تسعي وباجتهاد أن "تجده" لا فارق لديها في من يجد من .. هي تعرف أنه هو أيضا في غربته يحتاج إليها ، هي تعرف أنه هو أيضا يبحث عنها . فلماذا لا يلتقيا في منتصف الطريق !

جاءت زميلاتها .. وأخذتها إلي السيرك وقضيا ليلة مبهجة ، تتذكر منها ذلك الطفل الذي كان يصرخ أمام السيرك لوالده
dadi.. I'm freezing
ردت عليه الأم :
why don't you guys hug each other so you get warm
أخذ الطفلان الصغيران يحضنان بعضهما ويصرخان من البرد في بهجة

.... عادت ابتسام إلي حضن أمها ، شقيقاتها واصدقائها .. لكنها ما لبثت ان استجابت مرة اخري لنداهة الأسفار فجاءت مرة أخري لتلك البلاد ، هذه المرة بنية مبيته لفرار أبدي ..
ويقين مؤكد أنها ستجده هذه المرة .

photo : Daniel Week

No comments: