Tuesday, June 07, 2011

‫روح التحرير .. روح الأهرام .. وروحي اللي طلعت !!‬


روح التحرير
منذ اليوم الأول للثورة كان في التحرير روح غريبة ، تلك الروح التي رأيتها تتشكل أمامي من فوق العمارة التي تطل علي التحرير ، تلك الروح التي سارت تنمو وتكبر مع كل نداء وهتاف وأغنية جعل هذه البقعة من العالم مكانا مختلفا ، يتعامل الناس فيه وكأنهم مخلوقات مريخية نبيلة ، لم يتزاحموا قط في مترو الأنفاق أو علي طابور

عيش أو مستهم القاهرة برائحتها الخانقة وعادمها الثقيل ، كانوا بالفعل ككائنات " بيور" جاءت من الفضاء لم يممس

ا بشر ، أذكر ذلك الرجل الملتحي الذي أقترب مني قرابة الثالثة صباحا ليلة ١ فبراير - لم يكن الميدان ينام - وأنا أسير بصحبة " رفيقة ميدانية" شابة ليقول لنا " أنا والله لم أرى أولادي منذ يوم ٢٥ ، وكلما فكرت أن أذهب "أطل علي العيال" وأرى الأخوات مثلكم أقرر أن أبقى، ‪-‬ بالمناسبة في النصف الأول من الأسبوع الأول من الثورة لم يكن الأخوان أتوا بكثافة للميدان - كانت "روح الميدان" نفسها وليدة بنقاء المولد ، لم يكن أحد يعرف بعد كيف ستسير الأمور .
أذكر وأنا "أفأفأ" من البرد أن أستأذنت رفيقة شابة أخري تندس تحت بطانية وحيدة تستخدمها هي وعدة رفيقات ميدانيات أخريات يجلسون علي الأرض ويسندون ظهرهم علي حائط الدائرة الوسطي أن أنضم لهم ، أتذكر بعد أن بدأت أغفو وأنا اضع رأسي علي ركبي أن أفاقتني رفيقة ميدانية ثالثة لتعطيني نصف صباع موز مقشر ، وقت كان الطعام غير متوفرا

علي الاطلاق في الميدان أو حوله نتيجة حظر التجوال، بعد أن حرض عضو حزب وطني سابق علي غلق محل الفطائر المجاور ل"أبو طارق" وهو المكان الوحيد الذي كان يطعم سكان الميدان في الأسبوع الأول من الثورة. كنت جائعة جدا ولا أعرف لماذا أختارتني الرفيقة لمشاركة قطعة الموز وكان حولنا مجموعات كثيرة ، لكنها كانت تقريبا أفضل مما طعمت في حياتي ، لم تسند معدتي الخاوية فقط ، بل ساندت روحي بفكرة أنك لو كنت "ملقي" علي الرصيف في ليلة باردة خاوي المعدة ، ولا توجد أي وسيلة سوى انتظار الصباح ،سوف يلقى الله في معدتك الخاوية رزقا من عنده ، فكن صبورا !
أذكر نفسي وأنا أكذب علي رفيقة رابعة وأنا أقول لها أن الشاي " ببلاش" عندما اكتشفنا أن هناك بائع شاى وحيد في الميدان - قبل أن يصبح بائعي الشاي مساو أويزيد علي عدد المتظاهرين - وقلت لها أنني سوف أحضر لها كوبا معي وعندما ذهبت ووجدته "بجنيه" وعدت لها بكوب معي وسألتني كذبت عليها حتى لا أخذ منها نقود

ا. في الميدان كانت هناك روح أخري هي التي جعلتني أكذب وجعلت فتاة تترك لي مكانها أسفل البطانية وأخري تشاركني الموزة الوحيدة التي معها ورابعة تجعل رجل يتقدم ليخبرنا عن شئ لن يفيده أو يضره إذا لم يشاركنا اياه ، في الميدان كانت روح الله حاضرة - والله - تجعلنا بشر أفضل وتؤيدنا أن نستمر فيما نفعل .
روح الأهرام
عندما عدت إلي الأهرام - بعد أن كنت تقريبا لا أذهب أيام الثورة إلا للتوقيع دون أو أعلم أساسا أن السيدات ليس عليهن الحضور للأهرام كما أخبرت من بعد - عندما عدت كنت أتصور أن روح التحرير تسربت إلي الأهرام ، كنت أرى الحق حقا، وأرى أن الناس لابد أن تقف بجوار الحق ، وأنه بعد أن ثبت بالتجربة العملية المعملية أن مصر "

بها رجال" ، أنني سوف أرى في الأهرام رجال ، شرفاء يحبون الحق ، ويضعون مصلحة الأهرام فوق كل شئ ، إلا أنني وجدت في الأهرام روح أخرى ، بدءا من رئيس التحرير السابق الذي كان يصر علي البقاء علي مقعده بالرغم من الخسائر المادية والمعنوية الفادحة التي كان يسببها وجود اسمه علي الترويسة ، مرورا بهؤلاء الزملاء الذين دافعوا عنه لترابط مصالحهم ، وفتحوا جبهات أخرى علينا، وكأن قوة الادارة لا تكفي للقضاء علي "القلة المندسة" أمثالنا، ووصولا إلي هيمنة الأرواح الشريرة علي روح الأهرام ، والتي جعلت البعض يكتب منشورات مسيئة ضدي وضد زميلة أخرى ، تماما كما كان يحدث في العهد النازي، من تشويه سمعة المعارضين لقتلهم معنويا، ووقفهم دون أن تتخذ ادارة الاهرام السابقة موقفا شريفا للتحقيق في الواقعة والوصول لمن وراءها.

ربما أفضل وصف لروح الأهرام ما قالته الزميلة حنان حجاج " روح الأهرام كانت أثقل من أن تصعد عاليا قليلا لترى المشهد جليا" ، في الأهرام كانت الروح ثقيلة ، ثقيلة جدا ، تلتف حولها الشياطين وتمسك بزمامها.
لم تكن " روح الأهرام" دائما هكذا ، كثيرا استمعت من الاستاذة لميس الطحاوي الصحفية بالأهرام عن الفترة التي كانوا هم فيها شبابا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، وكيف كانوا يخروجون سويا للعشاء في نهاية الأسبوع في مجموعات ، وسمعت من الأستاذ مصطفى سامي مراسل الأهرام السابق في كندا عن حكايات مثيلة ، لكن الذي لا أنساه ما كتبه رئيس مجلس الادارة السابق للمؤسس

ة عن الدكتور محمد السيد سعيد ، الذي قبض مبلغا كبيرا من المال في أحد المرات فراح يشاركه اياه ويقول له أنه لا يحتاج هذا المال الكثير وأنت الأولى به ولديلك التزامات وأبناء في مدارس أجنبية - القصة نشرت في الأهرام - كان مفجعا حقا لي عندما علمت أن الأول رفض علاج الدكتور محمد السيد سعيد عندما مر بأزمته الصحية التي انتهت برحيله قائلا " نعالجه ازاي وهو معارض !!" بحسب دكتور جليل بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. وقتها سألت عباس المليجي الزميل الصحفي في الأهرام والذي أحسبه من أخيار الأهرام ، لماذا هذه الأيام "مهببة" هكذا ، ما هذه الروح الشياطينة المحلقة فوق رؤسنا تجعلنا أشرارا بهذا القدر، غير محبين لبعضنا البعض قال لي عباس وقتها أن لو مر أحدنا بضائقة مالية فسوف يسانده الجميع وأجبته .. ربما !!!
في أزمة ٨ مارس - عندما تم وقفي وزملاء أخريات بسبب مواقفنا من ادارة الاهرام السابقة التي عينها النظام السابق واصرارنا علي رحيلها في اسرع وقت ممكن بعد رحيله - رأيت أرواحا شريرة كما لم أرى من قبل ، وقتها لم نكن نحارب ادارة الاهرام السابقة فقط ، بل صرنا نحارب الفسدة والمنتفعون الذين كانوا يعيشون في راحة ودعة ويخشون من رحيل ادارة الاهرام السابقة ويستنفرون للدفاع باستماتة عن مصالحهم في معركة الحياة والموت ، وكأن ما اكتنزوه خلال السنوات السابقة غير كاف ، وكأن الأهرام لابد أن يبقى أهرامهم وليس أهرام الثورة أوأهرام مصر وضميرها، حتى لو تم هدم الأهرام نفسه ، بالطبع فيما عدا "قلة مندسة " خيرة كانت تجمع التوقيعات لنا وتساندنا. كنت أنتظر وقتها خروج قرارات التغيير في الأهرام كما كنت أنتظر " الفرج" في الميدان ،

وكنت ألمح علي وجهي علامات الإحباط ونفاذ الصبر كما كنت ألمحها في الميدان علي وجوه " الرفقاء" وكنت أتعشم أن الفرج قريب ، وأنه عندما تأتي إدارة جديدة للأهرام سوف يكون ذلك أملا أن تتسرب روح التحرير للأهرام ويؤذن في الأهرام لعهد جديد يعود فيه الأهرام لمصر وينتهى عهد اختطافه من أجهزة أمنية وسيادية وسياسية.
روحي اللي طلعت
بعد إنتهاء معركة التحرير ثم معركة الأهرام كانت طاقتي البدنية والروحية استهلكت تماما ، اضافة إلى أطنان العمل الذي كان متأخرا ، وتصورت أن الأمور والحمد لله تتجه في الطريق الصحيح و آن لنا أن نأخذ راحة قصيرة ، غير أنه من اليوم الأول بعد انتهاء "ثورة الأهرام" وتولي ادارة جديدة للأهرام الأمور ، كانت ذيول رأس" نظام الأهرام" السابق لي بالمرصاد ، بدأ الأمر باطلاق شائعة أنني تم ترشيحي كمراسلة الأهرام في نيويورك ، لوضعي في موقف من قام بالثورة لنيل مطامع شخصية ، منذ اليوم الأول نفيت الأمر وووضعته في خانة " اشاعات" الكنتاكي ، ابتسمت له وأنتهى الأمر !
بعد اسبوع قمت بـ"سكوب" صورة التحرير ثم نشر أول حوار للأهرام مع جوزيف ستجلتز الحاصل علي نوبل في الاقتصاد ، ثم ذهبت في إجازة في مدينة دهب لمدة أسبوع أتيت منها لأذهب في مهمة عمل لمدينة أسوان ومنطقة النوبة الجديدة لآتي منها لأذهب في مؤتمر في جامعة ستانفورد بعد أن دعتني الجامعة للتحدث عن دور الاعلام الجديد في الثورة وعن دوري الشخصي المتواضع وقناتي مصراوية .
كنت أعلم أن التوازن بين مساندة الحقوق المهدرة في الأهرام والعمل المخلص - متى أمكن النشر - هو عين الصواب وما يجب علي الجميع أن يقوم به ، لكن الأمر أخذ بعدا آخرا عقب عودتي - وحتى قبلها - عندما وجدت رفقاء سابقون في المعركة يأخذون المبادرة هذه المرة ويوثقون الشائعات حول غيابي !! تزامن الأمر مع تلقي أول تهديد واضح صريح بالبلطجة من شخص يعمل في الأهرام - تقوم الشؤون القانونية بالأهرام بالتحقيق في الواقعة - استلزم نقل مكتبي إلي المبنى الحديث للأهرام إلي الدور السابع في المبني القديم ، وحين لم يعد بي أية طاقة اضافية استنزفها في نفي أو الحديث في مزيد من الشائعات صرت أؤكد كل ما أسمع بكل رصانة وهدوء ، نعم كل ما تقولونه صحيح ، غير أن الأمر انعكس علي طاقتي الروحية التي صارت مستهلكة تماما.
تشبهني حالتي الآن بحالتي صباح يوم ١١ فبراير .. كنت قضيت ليلة ١٠ فبراير وحتى وقت متأخر في الميدان وذهبت للمبيت في مكتبي القريب - الذي كنت أستأجره لمشروع لم يأذن له أن تم - واستغرقني النوم حتى بعد صلاة الجمعة وايقظتني شقيقتي لتعرف مكاني ، كنت في حالة صحية يرثى لها وحالة نفسية سيئة جراء الاحباط الكبير الذي حدث في الميدان نتيجة الخطاب الثاني ، قلت لشقيقتي أنني لا أنوي النزول إلي الميدان اليوم لأن حالتي الصحية والنفسية سيئة ، قالت لي ما لم أكن أعلمه بسبب نومي المتأخر عن اعلان موعد خطاب آخر هام ذي سوف يذاع بعد قليل، واستحثتني أن أذهب إلى الميدان " لا يمكن إلا أن تكوني هناك الآن " - الميدان يبعد ٥ دقائق سيرا عل الاقدام من مكتبي - استجمعت طاقتي النفسية والبدنية وذهب إلى الميدان لأشهد واسجل لحظة هي الأهم في عمري وربما في عمر أجيال لم تولد بعد .
رغم كل ما يحدث حولنا الآن أشعر أن روح الميدان حاضرة داخلي ، داخلنا جميعا ، انسرب جزء منها داخلنا جميعا ، بالتأكيد سوف تواجه هذه الروح حربا شرسة من أرواح شريرة .. سواء روح الأهرام - الآن - أو في أي مكان آخر ، وسألمح علي ملامح وجهي كل القلق والجزع والتعب المضني من تلك المعارك ، لكن روح التحرير ستنتصر ، في اللحظة التالية مباااااشرة لتلك اللحظة التي نظن فيها أن هذا الصراع لا نهائي وأننا لم تعد فينا الروح للاستمرار فيه !
نعم ! أنا الآن لست في أفضل حالتي لكنني والله خبرتها كثيرا "أن بعد العصر يسرا ، إن بعد العصر يسرا " وأن كل كل محنة تتبعها منحة ، أعلم أن أوقاتا أفضل قادمة لي وللأهرام ولمصر ، لقد قضينا جميعا اللحظات الأسوا بالفعل.
" والله الموفق والمستعان"
:)
------
الصور : الصورة الأولي للمصور الشاب المبدع محمد أبو كليلة
الصورة الثانية للأستاذ يسري عقل المصور الكبير بالأهرام - في الصورة الاستاذ كارم يحي - فاطمة الدسوقي - أنا - الاستاذ حاتم الشربيني
الصورة الثالثة : من الانترنت

No comments: