Sunday, October 23, 2011

مصر في عيون العالم

هذه المقالة نشرت في الأهرام هنا http://www.ahram.org.eg/687/2011/10/16/4/107158.aspx
رجل الأعمال المجري والأستاذة الأمريكية والمصرفي الباكستاني !!


جلس بجواري وأنا أتناول الغداء علي المائدة الطويلة وقبل أن يضع طبقه سألني " متى الانتخابات" ! نظر إلى بابتسامة قائلة " نعم .. لقد كانت المحاضرة جيدة ! " نظر لي الرجل باستغراب  وكرر سؤاله وقتها استدركت وقلت له " آه .. أنها في نوفمبر .. غالبا !!" 

 كان الرجل الستيني يرقبني وينظر لأسم مصر المكتوب علي بطاقة اسمي في المؤتمر الدولي ، وحالت سرعة سؤاله المفعم بالاهتمام المخلص دون تبيني للكلمات بدقة، بعد أن جلس وقبل أن يقرب طعامه قال لي باخلاص شديد أن الجميع قلق علي مصر وأن الجميع يخشى أن تسقط مصر في فخ التشدد وأن يتولاها جماعة متشددة تأخذ مصر في مسار بعيد !! وقال لي "مصر هي الشرق الأوسط " ، كان الرجل يقول ذلك بنرة يشوبها الجزع ، طمأنته وقلت له أن التحدي كبير ، لكن الأمل كبير أيضا وأعطيته نموذجا بمجموعات الشباب التي تعمل ليس فقط بعد الثورة لكن قبها بسنوات طويلة ، بدأب وإخلاص من أجل هذا الوطن ، وقلت له أن كثير منهم حصلوا علي تعليمهم في الخارج وكان يمكن لهم أن يستمروا في الخارج لكنهم عادوا إلى مصر وقرروا البقاء ، كان في مخيلتي وأنا أحدثه مجموعات " نماء" " علشانك يا بلدي" " نبني" " مشوار" وغيرها ، كان في مخيلتي رغدة الابراشي وغادة فاروق ونسمة جويلي وصلاح جلال وعشرات الشباب المصري الذي يعمل بدأب وإخلاص في صمت ، قال لي الرجل أن موجة "عودة العقول" قد ترتد ، وضرب لي مثلا بأحد دول أوربا الشرقية التي حدثت إليها موجة "عودة العقول" ما لبثت أن أرتدت وعادت العقول إلى الغرب عندما لم تخلق أبدا الظروف الملائمة لعملها واستمرارها. بعد أنتهاء حديثنا أعطاني الرجل الكارت الذي تبينت منه اسمه وهو Alexander Dembitz ، رجل أعمال سويسري من أصل مجري، يملك ويدير شركة توفر الحلول التقنية للبنوك ، دعوته لزيارة مصر ، أنتهى الغداء الذي كان في جامعة سانت جالين في جنوب سويسرا في نهاية مؤتمرا لعلماء الأقتصاد الفائزين بجائزة نوبل ، ترك الرجل المائدة وترك في نفسي هذه المشاعر " هو أن أترك المائة و أذهب رأسا وشخصيا لتنظيف ميدان التحرير " خشيت أن يلبي الرجل دعوتي لمصر ولا يكون الميدان بهيا نظيفا كما يريد العالم أن يراه! كان اللقاء في أواخر شهر أغسطس الماضي. 


اللقاء الثاني كان مع الدكتورة أنجريد ماتسون ،  أستاذة الدراسات الاسلامية بجامعة هارتفورد سيمينري ، التي ألتقيتها في جامعة ستنافورد في مايو الماضي ، مررت بها في بهو الفندق أمام شاشة الكومبيوتر وكل منا تتصفح بريدها قبل المغادرة لبدء يوم العمل، رحبت بالحديث معي وقالت لي : أن " الثورة المصرية " هي أول أنباء طيبة تأتي من الشرق خلال عقود ، وقالت لي أيضا أن الأصعب من الثورة هو الحفاظ عليها والاستمرار في عمل الإصلاح المطلوب ، لأن المجتمعات كالأفراد ، ربما في البداية يكون الدفع سهلا و" الادرينالين" يعطي الأفراد قوة ، لكن الاستمرار يكون هو الأصعب ، حملتني ماتسون رسالة إلى الشباب المصري وقالت عن القوى المناوئة لقوى الإصلاح " بعض الناس يكونون كالاقفال لا يستطيعون الاسهام بشئ ايجابي، كل ما يستطيعون عمله هو محاولتهم وقف أي تقدم، ومع هؤلاء الناس نحن نحتاج "قمة الصبر"، لأنهم بينما يبقون هم في مكانهم سيبذلون كل جهدهم لارهاق من يريد أن يتقدم، حتي ييأس المصلحون ويعترفون بالياس ويقولون : "مستحيل.. لا يوجد حل"، لذا يجب أن يكون المصلحون اكثر عنادا منهم، الصبر من خصائصه بعض العناد، فاذا كانوا هم عنيدين فلابد ان يكونو المصلحون ايضا اكثر عندا، وهي عمليه مرهقة ! أنتهى حديثها الذي أذهب من وقت لآخر لاستمع له. 
أما اللقاء الثالث فحدث في المؤتمر الاقتصادي المذكور سابقا ، وكان مع حمزة علي مالك ، مدير البنك المركزي الباكستاني ، عمره ٣٦ عاما ، حصل علي الدكتوراة في السياسات المالية من أحد الجامعات الكندية عندما كان عمره ٢٧ ، وعمل مدرسا هناك وأستقر به العيش حتي أربع سنوات  مضت ، عندما ذهبت إلى كندا مسؤلة كبيرة بالبنك المركزي الباكستاني وطلبت مقابلته ، وعرضت عليه أن يعود إلى باكستان ، كان ذلك منذ أربع سنوات ، لم يتردد الاقتصادي الباكستاني لحظة أن يعود ، ليس فقط للسبب الأول الذي ذكره وهو أن هناك كنديين كثيرين مثله يمكنهم خدمة كندا ولكن لا يكون باكستانيين كثيرين مثله يمكن أن يخدموا باكستان ، والرجل أيضا اقتصادي يزن الأمور بعقله، أمر علمته المسوؤلة الباكستانية فقدمت له عرضا يليق بقدراته المهنية ، كان الاقتصادي الباكستاني يتحدث إلى وعلي وجه أبتسامة كبيرة من الأمل برغم من أن زوجته ظلت تسأله كل صباح إذا كان قرار العودة مع طفليهما إلى باكستان كان قرارا صائبا أم لا ؟ خاصة وأن أصوات الأنفجارات كثيرا ما كانت تصاحب صباحاتهم ، ولامه أبوه المسن على ترك كندا والعودة إلى باكستان ، لكن الأقتصادي الباكستاني كان مؤمنا أن له دورا في خدمة بلاده ، وبرغم عدم الاستقرار الذي شهدته باكستان في السنوات الماضية لم يندم أبدا!

ما الذي يربط بين رجل الأعمال المجري والاستاذة الأمريكية والمصرفي الباكستاني ؟ خيط من الأمل في مصر منسوج مع خيط آخر من المسؤولية ، خيط مشع من النور علي طريق واضح تماما ، النور يلزم للسير في الطريق ، لكنها مسؤليتنا نحن أن نسير !! وكثيرين ساروا قبلنا، فنتعلم ، السير مسؤليتنا ، والعالم كله ينظر لنا ويترقب ، وبالمناسبة .. يدعو لنا !! 

No comments: