Saturday, January 14, 2012

أنا أحب بلادي !




أخرج من منزلي لأقابل صديقة جديدة ، من الذين ينظمون حملات توعية شعبية في الشوارع ، تستغرقني المسافة ١٥ دقيقة من السير ، أسير في شارع سليمان جوهر الذي أقطنه من عام بالتمام والكمال ، أستغرب جدا الشارع ، وأكتشف أنني لم أعد أسير فيه تقريبا ، من المنزل للتاكسي للكوبري للمبني للمكتب في الرابع للسابع ( في الأسانسير) للحمام للتاكسي للمنزل ، حتى طلباتي الأساسية غالبا أطلبها تليفونيا !! ( لا عجب أن وزني يقترب من وزن فيل في منتصف العمر ) !

في الماضي لم أكن أحب القاهرة ، كنت تقريبا أكره شوارعها وممراتها وسائقيها ، السير في شارع سليمان جوهر ، يجعلني أتأمل كم أن الأمور تتغير لا محالة مع الوقت ، أنا أحب هذا الشارع جدا ، فهو صديق للسيدات العاملات ، مرور صغير فيه لمدة خمس دقائق يمكن أن تستثمرهم سيدة مثلي خير استثمار ، فتشتري كل شئ ، الخضار واللحوم والبقالة وكل كل شئ ، أنا أحب جدا الشراء من المحلات الصغيرة ، رغم أنها تكون في الغالب أغلى في أسعارها من المحلات الكبيرة ، أجد البائعين فيها بشوشين يلقون طرف التواصل الانساني مع ابتسامتهم ، لسبب ما أحتفظ بعلاقات جيدة مع البقالين ، أذكر البقال السوري الذي كان يعمل على ناصية شارعي في الدوحة التي عشت فيها لفترة ٣ أسابيع في ديسمبر ٢٠٠٩ ، ظل يسألني إذا كنت وجدت عمل أم لا،كلما مررت لشراء العشاء من محله ، ويدعو لي بالخير ، وعم شحاتة ، البقال الذي كان علي ناصية شارعنها في منطقة حدائق المعادي ، شكّل هذا البقال الطيب جزءا بارزا من طفولتي بعبارته الأثيرة " ده بيطلع ف التليفزيون" .. عن كل منتج يود اغرائي بشرائه في بداية ثمانينات القرن الماضي - آه أتحول كل عام إلى حفرية تاريخية - كنا نحصل على أموال أنا وشقيقاتي من والدنا ونجري لمحله ونردد كلمة السر " نريد شيكو !!" فيرد هو : " شيكو إيه؟ شيكولاتة ولا شيكوآب ؟" ... كان "الشيكو أب" منتج رائع من الشيكولاتة السائبة بطعم البندق ، شبيه بنوتيلا هذه الأيام !! وكان يباع مع معلقة بلاستيكية صغيرة ..  كم كنا نحبه !

وبينما أنا أسير .. 

أتذكر أن الصديقة التي سأقبلها ، طبيبة مساعدة في عيادة ، وأنها والساعة  تقترب من التاسعة ، ربما تشعر الآن بالجوع ، وفي انتظار العودة لمنزلها وتناول العشاء ، أتوقف لالتقاط ساندوتش شاورمة لها ، فتغريني الرائحة ، وأطلب اثنين ، أدفع النقود في الداخل وأخرج أنظر للشيف يصنع الشاورمة ، لا تمر دقيقة على وقوفي حتى يبدأ الشيف يحدثني ...

الشيف : لو عندك  عزومة في البيت أنا ممكن أجي اساعدك وأقوم بكل حاجة ، من غير ما أخليكي تحتاجي حاجة من برة .
أنا : طب والله جميل ، هاخد تليفون حضرتك . 
الشيف : أنا كنت شغال في دهب ، وكنت الشيف الرئيسي لفندق كبير هناك ، في منطقة اسمها ال" بلوهول" - الحفرة الزرقاء- .. 

أقاطعه ..  : أعرفها ، ذهبت لدهب منذ شهور قليلة في مايو ٢٠١١ !

الشيف : للأسف السياحة كلها وقعت ….. ( يتحدث الشيف طويلا ) يخبرني أنه في يوم ٢ فبراير كان يقيم حفلا كبيرا لفوج سويدي احتفالا باليوم القومي للسويد ، وأثناء ذلك جاءت برقية من القنصلية السويدية أن الفوج إذا لم يغادر مصر بحلول يوم ٤ فبراير ، فهم غير مسؤلين عن سلامته ، يغادر الفوج ، ينهار الفندق تقرييا !! يبقى الشيف يغريني أنه سريع الانجاز وأنه لن يحتاج لأدوات خارجية للعمل عندما اعينه ليوم ليطبخ لي ، حقيقة ، أود لو أذهب فورا وأدعو كل اصدقائي من أجل أن أمنحه فرصة العمل لهذا اليوم ، أفكر أن أطبع ملصق دعائي وأوزعه بنفسي على جميع سكان سليمان جوهر لتعيين هذا الشيف الدؤوب ولو ليوم واحد !!  

علي ناصية شارع فلسطين ، القريب من سكني ،  هناك محل عجيب جدا ، في نافذته قرابة ٥ مليون منتج ، لعب أطفال ، أدوات مائدة ، أدوات رياضية ، اتوقف لاشتري مشابك غسيل ، فأجد البائع نفسه حكاية أخرى من حكايات الشارع 

أنا : عاوزة مشابك غسيل !!
البائع ( بابتسامة قريبة من ابتسامة بابا  نويل وشعر فضي مثله ) : أين الغسيل ؟
أنا : ( بابتسامة أيضا )  في الشنطة وأنا أشير لحقيبتي الصغيرة ، بينما يقف بجواري فتاة ووالدتها يلتقطون هدايا العام الجديد .. 

------

في الماضي كتبت هذه الكلمات 

(نافذة تري السماء 

القاهرة المتسعة تضيق شوارعها على ويتناقص هواءها ...
اطوف دروبها و أنا أعلم أنني على أن آمر ذاكرتي بامتصاص كل ما ترى ، لا عودة لي للمدينة التي سرقت أحلامي و سنوات عمري، و أراقت دمي في طرقاتها ، سأفعل ما كان يجدر بي فعله منذ سنوات طويلة ... سأرحل !
"الرحيل" .. أيها الكلمة مطاطية المعني لا اعلم حقا ماذا تعنين !!
 هل سأرحل عنك أيتها القاهرة ام  تتبعيني بذكرياتك الثقيلة ، وتوغلي في جبروتك و جنونك ، وتقبضي للأبد علي تلابيب روحي ؟
لا أحد يحب القاهرة .. لم يعلنها صراحة الذين غادروها ، بل أعلنتها غيبتهم الدائمة  لكني أفعل !! أنا أعلنها واضحة !!
أنا لا أحب القاهرة ، لا أحب الناس بوجوههم العابسة ، وتجهمهم، لا أحب صبرهم اللانهائي علي المرور من فوق كل العثرات بدلا من التعاون لازاحتها. ) 
...

فما الذي ألقى في قلبي حب القاهرة وجنونها؟ ومن هذا السليمان الذي جعلني ألف شوارعها وطراقتها ؟ هل هي الثورة التي نفضت عن روح المصريين كثير من غبار عهود طويلة من الكآبة والخنوع والصمت ؟ 

أم أنه العمر الذي يتقدم بي ؟
عندما يتقدم بنا العمر .. تقل رغبتنا في السفر ، يزداد حنينا إلى جذورنا ومسقط رأسنا، بعد أن كنا يأخذنا الشغف صغارا إلى البعد عن تلك الجذور ، عندما كنا ننمو ونكبر كأفرع الشجر الصغيرة !! 

أنا أحب بلادي .. أنا أحب القاهرة !! 

------
if you know someone can volunteer translate this post into English, I would really appreciate , contact me at sabah.hamamou@gmail.com
( رجاء إذا كنت ممن يتقن العربية والانجليزية ولديك بعض الوقت لترجمة هذا البوست للانجليزية ، أو تعرف أحد يمكنه التطوع للقيام بهذه المهمة ، رجاء راسلني على sabah.hamamou@gmail.com ) مع بالغ الشكر ! 

No comments: