Monday, May 21, 2012

مصريون بلا وطن !



 ** أكثر من ١٥٠٠ مصري من قبيلة العزازمة محرومون من الجنسية المصرية 
 ** الحكومة لا تعترف بهم وتحرمهم من حق التعليم والرعاية الصحية والسفر !
** في عام ٢٠٠٤ تم استخراج وثيقة " تذكرة مرور" لا تتيح لهم حتى الانتقال بين المدن المصرية !

** أبناء قبيلة العزازمة محاصرون بين الحدود الاسرائيلية وبين نقطة " القسيمة " فلا أمل أو عمل أو موارد أو " جنسية" !


تقرير : صباح حمامو 

مرت منذ يومين ذكرى أعياد سيناء السنوية ، أعاد التليفزيون المصري الأفلام المعتادة " الطريق إلى إيلات " ، " إعدام ميت" وغيرها ،  وصدح صوت شادية " سيناء رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد " ،  وربما ذهب البعض لقضاء الأجازات في العين السخنة  وشرم الشيخ ، ليتأمل في جبال سيناء الشامخة ويوقن أن دون سيناء ، كان الوطن منقوصا ، وعندما عادت عاد الوطن كاملا ؟ 

ربما ينطبق ذلك على مواطني مصر جميعا ، أما أبناء قبيلة العزازمة السيناوية ، فلم تعد لهم سيناء بعد، لا تشمهم أغنية " شادية" ، الوطن لهم لا يزال حلما بعيدا ، بعد أن حرمتهم الحكومات المصرية المتعاقبة في عهد الرئيس السابق من الحصول على الجنسية المصرية  ! 

كانت المعلومة صادمة عندما علمت بها " حقا في مصر مواطنون مصريون بلا جنسية مصرية ؟ " سألت محدثي، الباحث الشاب اسماعيل الاسكندراني فأكد لي الأمر ، وعندما أعربت عن رغبتي في الذهاب إلى سيناء للتحدث إليهم ، وافق على اصطحابي في رحلة طريق استغرقت قرابة الثماني ساعات ، ما بين القاهرة والعريش ، ثم من العريش إلى جنوب منطقة القسيمة ، حيث تعيش قبيلة العزازمة تماما علي الحدود الشرقية لمصر. 

بعد طريق صحراوي طويل ، قطعته سيارة الأهرام التي قادها الزميل السائق " مصطفى .. " ، بدى في الأفق جبل الحلال الذي يفصل سيناء المصرية عن الحدود الاسرائيلية - ويقال أنه معقل الارهاب في سيناء - ظهرت مجموعة من البيوت المتناثرة تصطف أمامها سيارتين نقل وقادنا "مسمح سلامة" الرجل السيناوي الذي يسكن "عين القديرات" - أحد مناطق أقسي شرق وسط سيناء.

وقفت السيارة أمام منزل من الطوب الأحمر غير مكتمل ، وعندما دخلنا المنزل ، تم قيادنا لقاعة مربعة ، سقفها من الخوص وفي منتصفها حفرة صغيرة بها حطب مشتعل  يتحلق حولها مجموعة من الرجال والشباب، المنزل ليس به كهرباء ، وبالطبع لا تصل إليه المياه ليبدأ سالم سويلم عودة ( ٦٣ سنة ) شيخ قبيلة العزازمة أخبرنا بالقصة كاملة في صوته مرارة ضاربة بجدورها عقود طويلة إلى الوراء : 

"منذ أن رحلت أسرائيل ونحن لا نملك أوراقا تثبت هويتنا المصرية ، سواء بطاقات أو جوازات سفر ، كنا في الستينات نحمل البطاقات المصرية العادية ومنذ رحيل الاحتلال ونحن نطالب الحكومة المصرية بحقنا في الحصول على الجنسية المصرية من خلال الأوراق الرسمية ولكن دون جدوى ، وبعد جدال طويل ، ومحاولات مضنية للحصول على حقنا ،في عام ٢٠٠٤ أعطتنا الحكومة المصرية أورقا "تبدو" كجوازات السفر ، ولكنها فقط " تذكرة مرور " لاتسمح لنا بالسفر خارج مصر ، بل الأفدح أننا نجد صعوبات كبيرة في الانتقال إلى مدن أخري داخل مصر ، فنحن نسكن على الحدود ونجد عدة نقاط حدودية في الطريق إلى العريش أو الاسماعيلية، خاصة الشباب الذي يتعرض لتوقيف مستمر في نقاط المرور . 

ليس خافيا أن للقضية أبعادا أخرى كما يقول سلامة رجيعي عضو مجلس الشعب " القضيه هي أن العناصر والروابط التي تجمع أفراد القبيله على الجانبين كانت أحد الأسباب التي أدت إلى عدم منحهم الجنسيه لمظنه أن الولاء قد يكون لرابطه الدم دون رابطه الوطن فيتوقع منهم التعامل بإزدواجيه مع مصر في حال تجنسهم وهذا أمر ينبغي النظر إليه من كافه الجوانب . الجانب الأول مدى تحقيق الفائدة من تهيئة وضع مستقر لهم على الجانب المصري وتوفير سبل المعيشة المناسبة والخدمات التي تغنيهم عن النظر الى الجانب الآخر. ومدى الأستفاده منهم في مقتضيات الأمن القومي فيتم من خلالهم التعاون في تأمين وضبط الحدود بدلاً من أن يكونوا مصدر قلق وحاله إضطراب تحتاج إلى جهد في المعالجه قد تطول ، ولعل من يتم منحهم الجنسيه من أبناء الأم المصرية والأب الغير مصري يمكن أن يكون مقياساً لعلاج مثل حالتهم لأن حالتهم تحتاج إلى دراسة من كافه الجهات المعنيه لإتخاذ قرار بشأنها" .



قبيلة العزازمة منتشرة في منطقة الحسنة وبحسب شيخها يزيد عددها عن الخمسة آلاف فرد ، يعاني ما يزيد على ألف وخمسمئة فرد منهم من عدم السماح لهم بالحصول على الجنسية المصرية ، بحسب الشيخ سالم ، أما ما أفاد به سلامة رجيعي ، عضو مجلس الشعب فهو أن" قبيلة العزازمة من القبائل العربيه ببئرسبع وصحراء النقب ، ولهم حدود مشتركه مع قبائل "التياها" و"الترابين" و"الأحيوات" وكانت القبيله تنتشر قبل ترسيم الحدود الدوليه بين سيناء وفلسطين ،  فهي من قبائل الحدود التي إضطرب وضعها ولم يعد لها مستقر نتيجه لرسم تلك الحدود في وقت كانت فيه مصر ومنها سيناء تحت الاحتلال البريطاني وكانت فلسطين ضمن ولايات الشام التابعه للأتراك العثمانيين ، وإستمر إنقسام تلك القبيلة وغيرها من القبائل التي تتجاور معها حتى حرب ١٩٤٨،  وقام أحد أفراد القبيله في فلسطين بعمليه فدائية في عام ١٩٥٣ وقام الإحتلال بالإنتقام منهم فلجأوا إلى أقاربهم في سيناء وكانوا لايمثلون عددا كبيراً وسمحت لهم الحكومه المصريه بالإستقرار دون أن تستخرج لهم بطاقات هويه ولكن بطاقات تعريف تثبت الأقامه في تلك المنطقة ." 

" خاطبنا الحكومة المصرية أكثر من مرة ولجئنا للقضاء ولكن دون جدوى " يقول الشيخ سالم سويلم عودة  ، أما أحمد رشدي المحامي بالنقض الذي يتولى التعامل مع الجهات الرسمية نيابة عن أفراد قبيلة العزازمة ، فقال في اتصال هاتفي معه ،  أن أخر ما طلبته إدارة الجوازات هو أوراقا تثبت أن أفراد القبيلة تواجدوا في هذه المنطقة بين أعوام ١٩١٤ و١٩٢٩ ، وعندما تم توفير صورة لعقد أرض تم ابرامها في عام ١٩٢١ طلبت إدارة الجوازات مزيد من الأوراق التي تثبت تواجدهم في هذه الأرض منذ بداية القرن. 

بعيد عن حدود التاريخ والجغرافيا ، وحروب الماضي ، وقوانين الجوازات ، يقف " عيد عودة سالم " أمام منزله تحمل عينيه ألم وصبر سنوات طويلة تتجاوز سنوات شبابه ويقول" منذ عام ١٩٩٩ استخرجت لنا بطاقات (غير معين الجنسية )، وتم بناء وحدة صحية لنا، لكنها ليس بها طبيب أو أية خدمات ، بها سيارة اسعاف لا تعمل " يصمت "عيد" ثم يكمل وهو يمد بصره في الصحراء " مافيش مدارس ، ولا كهرباء ، ولا مياه ، أحنا مقطوعين من أي حاجة ! " 

ما يزيد الأمر ألما أن أبناء قبيلة العزازمة لا يستطيعون حتى الانتقال للعيش في مدينة مصرية أخرى ، لو أرادوا ، فنقاط الحدود تضيق عليهم الانتقال ، و" تذكرة المرور" وسيلة لتوقيفهم أكثر من تمريرهم ، هي تصريح رسمي  غير معلن   لحصارهم ، بين الصحراء والسماء ، بلا أية موارد انسانية أو طبيعية ، محرومون من استكمال تعليمهم في أي مدينة قريبة سواء الشيخ زويد أو العريش أو الاسماعيلية ، لان الالتحاق بالتعليم يحتاج شهادات ميلاد وبطاقات وهو ما يكافحون للحصول عليه ! 

"هناك أكثر من ٨ آلاف نسمة من رفح الفلسطينية حصلوا على الجنسية مصرية ، بينما لا نحصل نحن علي جنسية مصرية ، " علشان ايه ؟ " يقول الشيخ سالم بألم ، ويكمل أسئلته التي تبدو كسياط ملهبة لضمير الوطن الذين ارتضاهم على أرضه منذ سنوات طويلة ورضوا به وطنا !

" هل تصدقى أنه في بعض الأحيان أبناء العمومة من قبيلة العزازمة بعضهم يحمل البطاقة المصرية والبعض الآخر لا يحملها ؟ لأن بعضهم استطاع الحفاظ على البطاقات المصرية القديمة منذ الستينات والبعض الآخر ونتيجة ظروف الحرب والاحتلال لم يستطع ذلك ، وأبناء العمومة يعودون إلى نفس الجد ؟ " 

" سالمان سالم العرجاني " ، رجل سيناوي في منتصف الستينات له حكاية أخري ، بفقد استخرج بطاقته الأولي في يوم مشهود هو ٦ يونيو ١٩٦٦ من مدينة الشيخ زويد ، ولكن لأن اسم عائلته هو العرجاني ، وهي عائلة جانب منها يعيش في مصر وجانب منها يعيش في فلسطين ، إلا أنه بعد رحيل الاحتلال الاسرائيلي لم يستطع الحصول على بطاقة الرقم القومي إلا في  عام ٢٠٠٧ ، لأن السلطات المصرية لم تعترف به كمصري طوال هذه السنوات  يقول سالمان سالم العرجاني

" عندما حدثت الحرب ، كان القانون أن من بقى تحت الاحتلال الاسرائيلي يتم معافاته نهائيا من الخدمة العسكرية ، كأنه خدم الجيش ، عندما قدمت الورق لكي استخرج  بطاقة الرقم القومي، قالوا عني أنني اذا كنت مزور البطاقة المصرية وأنني  فلسطيني ، لأنني ( عرجاني ) ، فقلت لهم إذا كنت مزورا احبسوني ، لكني أنا مصري " 

يشير "رجيعي" إلى بعض المعلومات الهامة عن تطور الوضعية القانونية لقبيلة العزازمة قائلا في رسالة مكتوبة للأهرام " إحتلت اسرائيل سيناء في عام ١٩٥٦ ثم في عام ١٩٦٧ ومنحت الجنسية لمن هم داخل الأرض التي أحتلت قبل ١٩٦٧ والذين تم تسميتهم بعرب اسرائيل ومنهم من إنخرط في الجيش الأسرائيلي ومنهم قلة من العزازمة وغيرهم ، حيث كانوا أدلاء وقصاصي أثر وضباط وجنود وهناك الكثير ممن إستقر في سيناء ، لم يتم منحه الجنسية وكانت تمنح لهم هويات للتنقل تحدد فيها هويتهم العربية وشمل هذا الإجراء قبيله العزازمه ممن هم في سيناء منذعام ١٩٥٣" . 

أما هن دور المجتمع المدني السيناوي في إثارة القضية ، فيقول مصطفى الأطرش - ٢٣ سنة - وهو  شاب سيناوي ناشط في المجتمع المدني  " نصحت من المحامي الذي يتولى مساعدتي في انشاء المؤسسة المدني التي أسعى أنا ومجموعة من الشباب السيناوي أن أتخلى عن الجانب الحقوقي من عمل المؤسسة ، وإلا سوف أواجه مقوعات لا نهائية في استخراج التصريحات المطلوبة ".

" الموقف القانوني " 

يتولى المحامي أحمد رشدي التعامل مع الجهات الرسمية من أجل الحصول للشيخ سالم على الجنسية هو وأولاده " نسعى لحل الأمر بصورة فردية أولا للشيخ سالم وأولاده ، ثم بعد ذلك ننظر في بقية الحالات بالتوالي ،  ولكن هناك أيضا٨٠ شخصا أخر لدي أوراقا لهم  ، لديهم نفس المشكلة " ، ولكن ماذا عن بقية أفراد قبيلة العزازمة ، الذين ليس بالضرورة يملكون الأموال الكافية لتوكيل محامي يسعى عوضا عنهم للتواصل مع الجهات الحكومية ؟ سؤالا لم أجد من أووجهه إليه في هذا التحقيق. 

يضيف شيخ قبيلة العزازمة " قدمت طلبا لوزير الداخلية ولم يأتي لي رد " ، قمت بتوكيل محام ، وأنفقت أموالا كثيرة باهظة على ذلك" يقول ذلك وهو يخرج من جيبه خطابا وجهه وزير الداخلية الأسبق "منصور العيسوى" لمحافظ شمال سيناء اللواء "عبدو الوهاب مبروك" يقول فيه : 

وتبقى القضية مبهمة في هذه النقطة ، هل يحتاج أفراد قبيلة العزازمة الذين يعانون من المشكلة والذين يزيد عددهم على ١٥٠٠ فردا أن يرفعوا ١٥٠٠ قضية أمام القضاء المصري من أجل الحصول على حقوقهم ؟ وأين دور نواب مجلس الشعب ، والجمعيات المدنية المصرية والقانون الدولي ؟ وربما تكون إجابة وزير الداخلية السابق بها كثير من الإيضاح أن المشكلة معقدة وتحتاج تدخل سياسي ، فكيف لهؤلاء المحاصرين على الحدود وتبعدهم ٩ ساعات عن العاصمة ،الوصول إلى الخدمات القانونية المكلفة  - إذا استطاعوا المرور من كل الحواجز المرورية ونقاط التفتيش دون منعهم بسبب " تذكرة المرور " ، ومن يتبنى قضيتهم ؟ خاصة بعد طرق الإعلام القضية أكثر من مرة بصورة متكررة خلال العالم الماضي ! 
والمثير للدهشة والتعجب أنه بمناسبة أعياد سيناء أعلنت وزارة الداخلية عن منح الجنسية المصرية لـ٨١٤ شخصًا من أبناء الأم المصرية، وشمل القرار٦٨٠ فلسطينيًا و٣٧ سودانيًا و٣١ أردنيًا و٢٥ ليبيًا و١٠ يمنيين و٥ من ألمانيا و٥ من أمريكا، وشخصين من كل من سوريا وموريتانيا وأريتريا وهولندا وفرنسا والنمسا وأستراليا وكندا، وواحد من كل من بريطانيا وإيطاليا وباكستان ومالطا وإيران .

في حين ترفض الحكومة المصرية منح أبناء قبيلة العزازمة الجنسية المصرية ، وعن ذلك يقول رجيعي " لعل من يتم منحهم الجنسيه من أبناء الأم المصريه والأب الغير مصري يمكن أن يكون مقياساً لعلاج مثل حالتهم لأن حالتهم تحتاج إلى دراسه من كافه الجهات المعنيه لإتخاذ قرار بشأنها" 

"القوانين الدولية وأخطار غير مدركة "

ما يعاني منه أفراد قبيلة العزازمة من عدم الاعتراف بهم ومنعهم من الحصول على الجنسية المصرية هو خرق صريح للمادة ١٥ من إعلان حقوق الانسان العالمي والتي تنص علي " أن من حق كل إنسان التمتع بجنسية وأنه لا يجوز حرمان أحد من جنسيته تعسفياً ولا من حقه في تغييرها " 
ويقول الدكتور منذر الفضل  الخبير في قوانين الشرق الأوسط والاستشارات القانونية الدولية المقيم في السويد في تصريحات صحفية حول القضية أن الجنسية مسألة قانونية حيوية تترتب عليها نتائج كثيرة فيما يتعلق "بالاسم والتملك والتنقل وتطبيق القانون، ولأي قانون يخضع الإنسان وغير ذلك من الأمور".

أما مدير مكتب هيومان رايتس ووتش في بيروت نديم حوري ، فيشير في تعليق سابق لهيئة الاذاعة الألمانية عن قضية المحرومون من جنسيات بلادهم أن هذا يعد خرقا لقواعد القانون الدولي وانتهاك لحقوق الإنسان الأساسية، ويضيف حوري بأن "الدولة عندما تحرم إنساناً من جنسيته تحرمه من كافة حقوقه وحول كيفية مساعدة عديمي الجنسية" وعما يمكن أن تقوم به هيومان رايتس ووتش وغيرها من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، يقول حوري بأن ذلك يتم عبر "توثيق حالات الحرمان وإصدار تقارير دورية" ، ولكن خلت تقارير هيومات رايتس واتش من تقارير عن حالة أفراد قبيلة العزازمة وأن كانت تناولت حالات شبيهه في الوطن العربي كالأكراد على الحدود السورية التركية و مجموعات " البدون"على الحدود الكويتية . 

والسؤال الجدير بالإجابة حول قبيلة العزازمة هو إذا كانت الجنسية هي الرابط القانوني بين الفرد والدولة، وعلى أساسها تترتب علاقة قانونية بين الطرفين تقوم الدولة بموجبها بحماية الفرد وتأمين حقوقه الإنسانية الأساسية، وفي المقابل يخضع الفرد لسلطة الدولة ويلتزم بقوانينها ، يكون السؤال كيف يمكن لنا أن نطالب أبناء قبيلة العزازمة الالتزام بالقوانين المصرية إذا كانت مصر تمنعهم من الحصول على الجنسية ؟ وهل تدرك الجهات الرسمية خطورة أن يكون على حدود مصر الشرقية مع اسرائيل مصريون - عاشوا على أرض مصر أكثر من نصف قرن من الزمان -  يتم التعامل بكل هذا التجاهل لحقوقهم التي أقرتها القوانين الدولية ؟ وسط ظروف معيشية بالغة الصعوبة والقسوة لا نبالغ إذا قلنا أنها غير آدمية ؟ 


الصفقة المرتقبة 

تتردد مؤخرا - خلال الثلاثة أسابيع الأخيرة - عن وجود صفقة تبادل وشيكة لسجناء مصريين في السجون الاسرائيلية مقابل استرداد اسرائيل وهو وقت تشتعل فيه قلوب الكثيرين من قبيلة العزازمة وغيرهم بالأمل في عودة ذويهم المحبوسين وراء قضيان السجون الاسرائيلية ، كثير من الحالات المؤلمة ومنها حالة "عواد حسن علي أبو رقيق - ٦٧ سنة - " فهو لا يعاني من مشكلة عدم الحصول على الجنسية المصرية لكنه قابع الآن خلف السجون الاسرائيلية منذ عامين ونصف وهو يقترب من العام السبعين من العامر، يقول ابنه عيد عواد حسن " والدي محبوس منذ سبتمبر ٢٠٠٩ ، وبعدها بعام كامل وفي أغسطس ٢٠١٠ ، تم إصدار حكم ضده مدته ٩ سنوات وتم ابلاغنا به منه شخصيا ، ولم يكن بمفرده ، بل أيضا ابن عمي "حسين سليمان - ١٣ سنة - تم الحكم عليه ب ٤ سنوات سجن " ، حاول عواد حسن الاتصال بالقنصل المصري في تل أبيب ليعلم منه إذا كان اسم والده وابن عمه سوف يكون ضمن المفرج عنهم في صفقة جرابيل ، فلم يجبه ، عيد عواد حسن نفسه سجن في فترة سابقة في السجون الاسرائيلية " كلما اتصلت بالقنصل المصري هناك ، دائما كان يغلق السماعة في وجهي " يقول عيد عواد. 

يقول عواد أنه في صفقة تبادل المجند الاسرائيلي " جرابيل "، كانت معظم السجناء المصريين الذين الذين وردت أسماءهم في الصفقة ٩٠ ٪ منهم أوشكت أحكامهم الانتهاء ، أكثر مدة كانت باقية للعائدين في الصفقة كانت مدته ٣ شهور ، وتم عدم ادراج أسماء السجناء المصريين الذين لازال أمامهم سنوات طويلة ، وكانوا الأولى بوضع أسماءهم في القائمة. 

ويقول "مصلح عودة سالم سليم" - ٦٧ سنة - من أبناء العزازمة ويحمل أيضا "تذكرة مرور"   : "في عام ١٩٦٤ كان كل العزازمة شغالين في حرس الحدود والمخابرات وهناك ربما أكثر من عشرين فرد من قبيلة العزازمة ماتو وهم في مهام تابعة للمخابرات المصرية ، وهم شهداء ، ولكن لا أحد لم يعترف لهؤلاء بأنهم شهداء والآن تعيش أسرهم ليس فقط دون تكريم ولكن حتى دون الاعتراف بانتماءهم لمصر" 

" الراجل بتاع الغطرة ، أنا علشان أقف في الكامين أقف ٣ أو أربع ساعات ، وممكن أتحبس يومين أو ثلاثة ، التهمة أني لم استخرج خط سير ، أنا أريد أن يعترف بي كمصري ، التعليم ، الصحة ، يبقى كل المقومات أستطيع أن أزرع وأنتج واشتغل عندي تعليم وصحة و ابني يستطيع أن يكتب ويقرأ ، يمكن بعد الثورة ربنا يسهل " 

قضية انسانية .. المستقبل ! 

قبل أن أنهي حديثي لرجال وشباب قبيلة العزازمة ، تركت غرفتهم وتسللت قدماي لغرفة مجاورة ، حيث تجلس نساء قبيلة العزازمة ، غرفة أخرى ذات اضاءة ضعيفة لمصباح كهربائي واحد يعمل على المولد الكهربائي ، وأمامها كان ثلاثة من الأطفال يلعبون ، أصرت السيدة السيناوية على دخولي وتقديم الشاي لي ، كان جمع من النساء والأطفال منهم السيدة المسنة والسيدة متوسطة العمر " والنبي يا أبلة تشدي حيلك معانا علشان الجنسية ، عاوزين العيال يروحو مدارس ، وأمي نفسها تحج " ، لم يستغرق اعداد الشاى الكثير ، وعدت أن أقوم بما أستطيع ، وغادرت مكان النساء لأجد سائق الأهرام والباحث اسماعيل الاسكنداني في انتظاري للعودة للعريش ، علي بعد ما يقرب ساعة ونصف ، تركت أفراد قبيلة العزازمة الذين قابلتهم وفي منتصف الطريق فوجئنا أن هناك سيارة جيب صغيرة تلاحق سيارة الأهرام على الطريق الصحراوي الخالي ، وإذا بها تتجاوزنا وتوقفنا ، كان بها الشيخ "سالم سويلم عودة" شيخ العزازمة يحمل لي النوتة الصغيرة التي بها ملاحظاتي ، لنكمل طي الطريق ونصل للعريش وبعده القاهرة في اليوم التالي ، عندما ذهب للخريطة لأدقق المعلومات اللازمة حول المكان المحدد لإقامة قبائل العزازمة وجدت أن الخرائط الحالية لا تدل على شئ ، فقط مساحات خالية وهوامش 


ولكن في الحقيقة ، الهوامش لا تعني الفراغ ، الهوامش هي بشر ، هي هذه السيدة الشابة التي ليس لها أمنية من الحياة سوى أن يلتحق بانها بالتعليم ، وليس لأمها سوى أمل أن تزور بيت الله الحرام ، وليس لزوجها الذي يعمل سائقا للميكروباس سوى ورقة تثبت هويته وتمكنه أن يعمل ويمر من نقاط التفتيش دون أن يتم توقيفه لمدة يومين أو ثلاثة لأنه لا يحمل " خط سير ". 


ولكن أيضا ليس خافيا على أحد أن تجاهل المشكلات لا يجعلها تختفى ، بل فقط يجعلها تتفاقم ، هناك مشكلة على الحدود المصرية الاسرائيلية ، مشكلة انسانية قبل أن تكون سياسية ، وسياسية قبل أن تكون جغرافية ،  ولا يجب أن يبقى أفراد العزازمة أسرى التاريخ والحدود والظروف المعيشية شديدة الصعوبة ، فمن حقهم تعليم وعمل وأمل فهم بحكم الواقع مواطنون مصريون حتى لو لم تعترف بهم أوراق المصالح الرسمية. 


نشر هذت هذه القصة في الأهرام 


http://www.ahram.org.eg/902/2012/05/17/12/149992/219.aspx



No comments: