Thursday, May 31, 2012

"شعب" الصحافة القومية !





أكتب هذه السطور بصفتي مواطنة صالحة من شعب الصحافة القومية ، حيث تدور الآن مناقشات مستمرة حول الصحافة القومية ، في ضوء التقرير الذي صدر عن " لجنة الثقافة والإعلام والسياحة" بمجلس الشورى حول " معايير وضوابط اختيار رؤساء تحرير الصحف القومية لدورة جديدة ، واستيضاح كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لهذه المؤسسات بما يكفل استقلالها" ، وهو التقرير الذي حتى هذه اللحظة يتم نشره بصورة موسوعة بين الزملاء الصحفيين في الصحف القومية . 
بمجرد أن صدر التقرير ، وحتى قبيل أن ينشر، بدأت غيوم ملبدة تحيط بالأجواء ، وبدلا من أن تكون الرغبة في التغيير هي أشعة من النور، تكشف واقع به كثير من الممارسات المعيبة ، يتمنى الجميع تغييرها للأفضل، بدت الرغبة في تصييد واستنباط الدوافع الكامنة وراء الأفعال هي المسيطرة في كل جانب.

أولا في المناقشة التي أجراها مجلس الشورى يوم الأحد الماضي ، لم يلتمس أبدا المتابع رغبة المجلس في تثمين دور الصحافة القومية ودورها " الكبير في تشكيل الوجدان المصري والوعي العام وتنوير المجتمع وإثرائه بالمعلومات وإشراكه في صنع القرار" كما جاء في التقرير نفسه ، بل على العكس ، أقولها أسفة ، طاف في سماء قاعة المجلس الكثير من أجواء الشماتة لما آلت إليه الأوضاع في بعض هذه المؤسسات ، ربما بناء على موقف قديم لإدارات هذه المؤسسات من القوى السياسية والأحزاب المعارضة التي ينتمى إليها غالبية أعضاء مجلس الشورى حاليا.  
ثانيا: في جانب الصحف القومية ، بدت في الأفق علامات على حشد إدارات هذه المؤسسات لكتلها من أجل " وقف هجمة مجلس الشورى" وأنه يجب على الصحفيين أن ينتصرو لكرامتهم ، وكثير من الحديث الحماسي ، وهو أيضا أمر مفهوم ، فربما يكون التغيير ليس في صالح بعض المجموعات داخل الصحف القومية ، أو هو تخوف مفهوم أيضا من أن يكون التغيير تجميلي، يهدف لتغيير الوجوه واستبدال التحيزات.
وبين الفريقين يقف " شعب الصحف القومية" يرقب ويتابع ، بعد أن مضى عهود طويلة يتوق لتغيير الممارسات التي عانى منها طويلا ، لكنه يقف موقف المتفرج دون أن يلتفت إليه تلك أو هؤلاء ، مكتفيا بتمثيل من ينوب عنه ، غير ملتفتا أن هذه الإنابة مضى على زمن ، وغالبا لا تمثل غير مصالحها. 

صدر التقرير من مجلس الشورى بعد ١٢ جلسة ، حضرها أعضاء أفاضل من نقابة الصحفيين والجمعيات العمومية ومجالس إدارة الصحف القومية ، إلا أن التقرير وجلساته التحضيرية وجلسات مناقشته غاب عنهم ، ربما ، أهم عناصره : غاب عنه الحوار المجتمعي الذي يسمع من خلاله أصوات " شعب الصحف القومية"، غاب عنه أصوات المنكفئون على شاشات الكومبيوتر وماكينات الطابعة والتجهيز ، والطائفون في الشوارع يستمعون لنبض الناس، غاب عنه رؤية حقيقة لما يجب أن تكون عليه هذه المؤسسات لتقوم بدورها الحقيقي في الإعلام والتنوير وإشراك المجتمع في عملية صنع القرار. 
وقبل كل هذا ، فات على مجلس الشورى ولجنته الموقرة أن آلية صنع القرار في هذه المؤسسات آلية عرجاء تستند لقانون يجعل القرار دائما يأتي من أعلى ، لأن أعضاء الجمعيات العمومية ، التي يعطيهم القانون ٩٦ لسنة ١٩٩٦ اليد العليا في المراقبة على الإدارة وتمرير القرارات أو توقيفها ، ميزانه مائل دائما لكفة المعينين به ، والبالغة ٢٠ عضوا مقابل ١٥ عضوا ، والتعديلات التي تمت في مايو الماضي لقوائم هؤلاء ، جاء غالبها للأسف من فلول النظام القديم ، ولم يلتفت أبدا للعناصر الشابة، التي لديها قدرة على الحلم والعمل ولديها أمل لأن تشارك في بناء مؤسساستها.
وعودة للقانون …لم يضع القانون أية آلية ملزمة لأعضاء الجمعية العمومية المنتخبين بأن يطلعوا " شعوب" الصحف القومية على ما تقوم به الإدارات ، ولم توجد به آلية لسحب الثقة ممن أنتخب من الأعضاء، إذا ما ثبت أنه استغل منصبه من أجل مصلحة شخصية ، لذا أصبح منصب عضو الجمعية العمومية ، للأسف ، بابا خلفيا لقضاء بعض المصالح من تعيين الأبناء والأقارب وتنظيم الرحلات ، وأختفى تماما دور الجمعية العمومية الرقابي على ما تقوم به مجالس إدارات هذه المؤسسات والتي نصف أعضاءها من المعينين - مع لفت الإنتباه أن أعضاء مجالس الإدارة والجمعيات العمومية المعينيين الحاليين هم خليط بين من تم تعيينهم من قبل النظام القديم ومن تم تعيينهم بعد قيام ثورة ٢٥ يناير- حتى أن أعضاء الجمعية العمومية تورطوا في التوقيع على هدايا غير شرعية لأعضاء النظام القديم ، زكريا عزمي نموذجا ، وقد حاكم القضاء زكريا عزمي ، بينما بقى من منحوا زكريا عزمي أحرار طلقاء يواصلون ترتيب أمورهم وأمور أبناءهم. 

ولأن التقرير نفسه … لم يتم نشره بصورة كاملة ، تم اجتزاء ما يتعلق بتعيين رؤساء تحرير جدد - الجزء الأكثر لفتا للأنظار - ونشره على نطاق واسع في الأخبار ، ليتحول الأمر إلى قضية ترشيحات لمنصاب جديدة ، وغابت المناقشات الجادة والمثمرة حول تحديات الصحافة القومية للأسف.

لقد أنهك الوطن كله في معارك كثيرة على مدى العام والنصف المنصرم ، وتطوير منظومة الإعلام كاملة، أمر يصب في صالح الجميع ، فأرجوكم لا تضيعوها في نقاشات وتدافع قوى ولتكن آليات صنع ذلك كالتالي : 

١ - تجهيز ملفات كاملة عن أوضاع الصحافة القومية تتلقاها مجموعة عمل متطوعة من داخل هذه المؤسسات ، تنسق عملها مع " لجنة الثقافة والإعلام والسياحة"،  وليكن العمل العام مجالا مفتوحا للجميع وليس مقتصرا فقط على إدارات هذه المؤسسات، تطوعا دون مزايا أو هبات أو مكافأت، وقتها سنتلافي التكالب المتوقع ترصدا لمنصب أو تزكية، ولتعلن إدارت هذه المؤسسات الأمر بصورة واسعة عن تشكيل هذه المجموعات داخلها. 

٢ - عقد حلقات نقاشية متكررة داخل جدران هذه المؤسسات ، وليس في مجلس الشورى ، لبحث بواطن العلل ومسارات الإصلاح المطروحة ، في ضوء التحولات المتسارعة في الإعلام والتي لا تتابعها الصحافة القومية كديناصورات مثقلة بمشكلات إدارية ومالية عميقة.
٣ - تحديد جدول زمني صارم محدد وصارم للعمل ، لأن كم من مبادرات الإصلاح بددها التباطؤ . 

٤ - الاستعداد لتطبيق الحلول الصعبة ، وإعداد فريق عمل من الخبراء للنظر في تجارب العالم حولنا لأن مصر ليست الدولة الأولى التي يحدث بها ما يحدث ، فلنتعلم ونختار ما يصلح لنا ونضيف عليه أو ننقص.

المهم : أن نصل للهدف … عودة الصحافة القومية للوطن ، تعبر عن أحلامه وآماله ومشاكله ورؤاه. 





No comments: