Tuesday, January 29, 2013

يوميات الميدان - شاهدة عيان - ٢٩ يناير


استيقظت مبكرا ، كانت زميلتي الفرنسية الانجليزية الروسية الايطالية ( نعم كانت هي كل هذه الأشياء معا ) تريد أن تذهب للسفارة الانجليزية - تحمل جواز انجليزي - لترك بياناتها ،  أو الاستفادة باي تسهيلات تقدمها السفارة الانجليزية لرعاياها وسط هذه الفوضي ، ذهبت معها للسفارة وتحدثت لحارس الأمن ، ولم تمكن من الدخول لسفارتها ، فتركت لحارس الأمن رقم البقال - حدث بالفعل - في حالة أرادت السفارة الاتصال بها، لأنه لم يكن لدينا تليفون منزلي ولم تكن هناك أية اتصالات أخرى متاحة لا هاتف جوال أو انترنت - كانت زميلتي تقيم معي بصورة مؤقتة لتعلم العربية التي فشلت أن أعلمها لها لانشغالي ، رغم أن بداية معرفتنا كانت من أجل التبادل اللغوي ، من أجل أن تعلمني هي الفرنسية ، وأساعدها أنا على تعلم العربية التي تدرسها في جامعة كامبردج وأتت للقاهرة لاتقانها.

تركت الرقم لموظف الأمن في السفارة واتجهنا إلى شارع القصر العيني عند محطة التعاون القريبة من ميدان التحرير - والتي وقف عندها الشاب المصري الباسل ليوقف تقدم مدرعة.

كان الجو لازال يحمل الرائحة الثقيلة للغاز المسيل للدموع ، وكانت السيارات المحترقة ملقاة في الطريق ، والناس القليلة في الشارع تنظر وكأنها تشاهد فيلما لا واقعا، غير مصدقة ، وبالطبع المحال مغلقة

 أوقفت لزميلتي تاكسيا لتعود هي الي المنزل واستمر أنا اتفقد الأمر .

سرت للميدان وكانت آثار الدمار عميقة والناس متناثرون فيه في تجمعات صغيرة وفرادى، الميدان كان معركة حرب هدأت للتو، أثار احتراق ، وسيارات محطمة أكلتها النار

أكثر ما أذكره في ذلك اليوم تلك السيدة العجوز التي كانت تقف في ميدان التحرير تبحث عن وسيلة مواصلات تقلها لمنطقة ليست بعيدة ( ربما القللي أو شبرا ) وكانت تحمل حقيبة بلاستيكية فوق رأسها ، كالتي كانت تحملها أمي للسوق أحيانا، شعرت بالتعاطف الشديد معها ، فهذه السيدة لا تعرف من أين تذهب ، وأنا لا أعرف كيف لها ألا تعرف أن البلد بها ثورة ولماذا خرجت من بيتها بالأساس.

رحمة الله تعالي أرسلت بعد قرابة ربع ساعة تاكسيا ، توسلت له أن يعمل خير ويوصل السيدة لوجهتا ، والحمد لله فعل.

أما أنا فسرت في شارع محمد محمود ، كانت سيارات الشرطة المحترقة في كل جانب ، وكان الجيش يمنع الوصول لمبني الداخلية  بصف من الجنود، كنت أقف علي جانب الطريق انظر وألتقط بعض الصور والفيديو للتوثيق ، حتي ظهر "سعيد" ، ذلك الطفل الذكي الذي أخذ يسألني : "هل أنت صحفية ؟ في أي جريدة ؟ هل تعملي في المصري اليوم أو الأهرام ؟ صوريني ، إعملي معايا حوار" !!
كان يلف يده بقطعة من الشاش دليل اصابته ( ربما عمره يدور حول ١٣ سنة )
لم أكن أعرف أن سعيد سيصير إحدى حكايات الميدان ولم أكن أعرف أنني لاحقا سوف أرى "سعيد"  مرات ومرات ، وسوف نصير أصدقاء .
لم يكن سعيد طفل شوارع ، كان يدرس ، لكنه يتيم ويقيم مع عمه - كما أخبرني - ويبيع العسليا في القطار الحربي !!

الآن أتذكر أنني كلما رأيته فيما بعد ، كنت أحثه على العودة إلى منزله في بنها فيقول لي " عندما يرحل " بابتسامة ثقة وعينين لامعتين ، فأقول ياله من طفل لا يفهم شئ ! 

تركت " سعيد" ومحيط دائرة وزراة الداخلية واستكلمت السير حتى وصلت لميدان محمد فريد ، أذكر وقتها أنني رفعت الكاميرا لكي أصور فاعترضني رجل يسير في الشارع بغضب ، يطلب مني أن أتوقف عن التصوير ، ويحفز الناس ضدي ، كنت وقتها أصور الميدان الذي كانت تتمركز فيه دبابة وسيارات حربية ، كان مشهد من التاريخ ، أول مرة في عمري أرى الجيش المصري في شوارع القاهرة ، ما رأيناه سوى صور أبيض وأسود في ذكريات حرب أكتوبر !

ابتعدت عن الرجل فلاحقني  ففررت إلى شقة صديقتي في عمارة تطل على قصر عابدين.

جلست قليلا ثم ذهبت إلى "الأهرام" ، ذهبت إلى بوابة الأهرام ، فكان الجميع يجلس دون عمل، لقطع الانترنت ، جلست قليلا ، قبل أن أعاود الاتجاه إلى الميدان عن طريق شارع رمسيس.

أذكر يومها جيدا أن الحشود في شارع رمسيس كانت لازال تتدفق ، وتعليق أحد المارة لمتحدثه التليفوني " لا يا عم مافيش شرطة خالص" ، أذكر أيضا أن زميلتي أميرة هاشم كانت في صحبتي ، فصعدنا فوق مبني "عمارة الرواس" ، مكتبي الآخر كان بها ، لنلتقط صور للمسيرات من عل وكانت تتجه إلى التحرير من كل حدب وصوب ، من ناحية ماسبيرو ومن ناحية شارع رمسيس

 وكان المشهد الأهم في مجال الرؤية ، والذي كحل عيني منذ الصباح هو رؤية مبني الحزب الوطني ( الصنم ) الطويل الذي يطل على نهر النيل وكأنه يقول ( أنا ربكم الأعلي ) تتصاعد منه الأدخنة بلا توقف وتظهر بين حين وآخر ألسنة لهب حمراء من أحد النوافذ ( استمر الاحتراق ربما ٤٨ تقريبا ) لاحقا صورته وأجهزة الاطفاء تحاول اخماد نيرانه دون فائدة وكان يلقي أدخنته في اتجاه ميدان التحرير ، بفعل الريح ، فتشكل سحابة رمادية في سماءه

وكأن هذا النظام يأبي أن يرحل عنا حتى يصب علينا لعنته حتى بعد احتراقه حتى اللحظة الأخيرة.

نزلت من أعلى " عمارة الرواس"  وسرت لمدخل التحرير من ناحية تمثال عبد المنعم رياض ، كانت الدبابات تسد مدخل التحرير ، وكانت عساكر الجيش توجه الوافدون الثائرون المتظاهرن للسير علي الرصيف وليس في نهر الطريق الذي سدته الدبابات ( كانوا ثلاث دبابات)

وقفت لأرقب ، في إحدى اللحظات ظهرت مسيرة كبيرة قادمة ، أكبر من أن يسعها الرصيف ، فبدأت الدبابات تتحرك لتمنع سيرها في عرض الشارع ، وقتها لم أشعر بنفسي ، بعد أن تخيلت أن الجيش سوف يكون له تصرف عدائي تجاههم، فأخذت أصرخ بصوت مبحوح شابه البرد والخوف وبوادر البكاء " سلمية .. سلمية .. سلمية سلم.. سبهم يعادو .. سبهم يعدو - متحدثه لعسكري الجيش "  - للحق ، بكيت عندما أعدت رؤية وسماع هذا الفيديو، سمعت صوتي وتذكرت اللحظة حاضرة ساخنة في القلب

تلك اللحظة .. من لحظات الله ، شبيهه بأن يرتد إليك بصرك ، أو تستعيد طريق الهدى بعد الضلال سنوات وسنوات

تلك اللحظة عاد فيها إيماني ببلادي … أن بها من الحق من يعيدها لطريق الحق … وأن بها من الرجال من هم قادرون على انقاذها … وبها من الخير ما يستحق منحة ونفحة من الله ليرحمها ويعيد إليها روحها بعد أن ظننتها جثة هامدة.

مشهد الناس يتدفقون ويسخطون ويهتفون بالحق عند مدخل ميدان التحرير .. مشهد تعجزه الكلمات واللغات ، ربما تسعفه توثيقيات قمت بها بالفيديو والصورة عند نشرها


خطوت مزيد من الخطوات في عمق الميدان وتوجهت لأعلى المبني المعتاد في قلبه… كان الميدان يومها ممتلئ ممتلئ كأنه يوم الحشر

قبلها بأربعة أيام وفي يوم ٢٥ أذكر قولي - مسجلا على شريط الفيديو - " بس برضة عددهم مش كبير" عندما كنت ألمح من علِ مساحات الفراغ في الميدان ، أو بالأحري تمركز الكتلة البشرية في جزء واحد فقط منه.

لكن اليوم .. السبت ٢٩ يناير .. كان الميدان ممتلئ ، وكأن سيدنا ابراهيم في الميدان أذن في الناس بساعة الحق فأتو من كل فج عميق ، لدرجة أنني طلبت من شاب ، أحد العمال أن يحمل عني الكاميرا لأقول كلمة للعالم !! وتحدثت بضعة كلمات للذكري والتوثيق وبالطبع بكيت.

كان صوت التليفزيون يأتي من حجرة عم رياض ، ذلك الرجل النوبي الثمانيني الذي يسكن غرفة فوق سطوح المبني ، وحيدا إلا من ود الجيران وبعض الاصدقاء

اقتربت من حجرته على حذر فوجدت مذيعة التليفزيون " رشا مجدي " تبث تنبيهات الجيش للشعب بالانصياع لحظر التجول والابتعاد عن مكان التجمعات ، وكان على الحائط صورة بالأبيض والأسود لجمال عبد الناصر - لا احبه لقمعه الذي لم يغفره في قلبي انحيازه للفقراء ، لأني أؤمن بالخبز والحرية - وكان عم رياض ويالعجب، يرقد في وداعة طفل في فراشه ملتحفا بالأغطية رغم الأصوات الهادرة في الميدان وصوت التليفزيون

لم تكن لحظة فرحة تماما فعندما أطللت مرة أخرى على الحشود في الميدان ، كانت مواكب الشهداء مستمرة
، كانت مساحة الميدان سالمة ، غير أن حشود المتظاهرون تمتد حتى المساحة أمام وزارة الداخلية ،  وكانت يد قناصتها الآثمة تستهدفهم من خلف جدرانهم محصنة

بعد قليل … ظهر شهيد  محمولا على الأكتاف ، ارتفعت ملابسة الخارجية وظهرت بقعة الدماء الكبيرة قرب قلبه وهو محمولا يسير في سرعة فوق أيدي تحمله وتنطلق شاقة الآلاف المحتشدون

استمرت يدي في التصوير ومتابعته وهو يخرج من الميدان مسرعا ، بينما قلبي يسقط من فوق البناية .. يسقط في قلب الميدان وينتحب ويمارس طقوسه الجنائزية كما يشاء ، انتهى الأمر فعلا … نظام مبارك سقط فعليا ، ولا أعرف حقيقة مبررا للاستمرار القتل !!

‫***‬
يوم ٢٩ يناير .. ليس كمثله شئ

امتزجت فيه كل الأخيلة … والأحزان أيضا … فها هو الميدان ممتلئ ( تماما) والحشود مستمرة في الوفود إليه من كل صوب ، لم ترعب قلوب المصريين آلة القتل العملاقة التي دارت في كل ركن ركين في يوم القتل العظيم ، ٢٨ يناير ، وها هم المصريون يستمرون في الوفود
ولكن أيضا ها هي الدماء تستمر في التدفق أيضا … فما العمل ؟ من ينقذنا يا الله ؟

يومها أيضا .. أذكر أن السلطات سحبت بطاقات الصحافة من فريق عمل قناة الجزيرة … ولم يكن هناك انترنت حتى يرى العالم ما يحدث

فاتصلت بزميل لي أرجوه أن يصلني بأي قنوات فضائية لأمنحم هذه الصور الآثمة لنظام مجرم

لكنه صاح في وأغلق الهاتف : " يا صباح … كفاية كده ، الناس بتموت وبتغتصب في بيوتها" ، أسقط في يدي وعدت إلى الأهرام بعد ساعات من التصوير وبعد أن كانت بدأت بالفعل ساعات حظر التجول ، وكنت نويت أن أعود مرة أخرى إلى الميدان بعدها

وكانت الساعة تدور حول الثامنة مساء ، عندما اقلتني سيارة الأهرام لتوصيلي لوجهتي ، غير أنني تحدثت تليفونيا لزميلي هشام يونس الذي كان في " التحرير" وقتها كما علمت من الزملاء ، لأسئله عن وضع الميدان

فإذا بصوته صارخا محذرا لي أن آتي لأن الناس يسقطون حوله ، من آلة القنص الإجرامية التي لم تتوقف منذ الصباح

في الحقيقة … تخاذلت في هذه اللحظة وطلبت من السائق التوجه لمنزلي ، وعندما ذهبت وجلست

بدأ الضمير وبدأت النفس اللوامة تعزف انشودتها … " كيف لك أن تبيتي في بيتك وفي سريرك الدافئ وهناك من يقتلون هناك ؟ " أي عار ؟

لم يذهب ذلك الصوت الذي أخذ يتردد سوى عندما آتي صراخا من الشارع الخلفي ، صراخا يستنجد من اللصوص ..

كانت ليلة ٢٩ يناير مساء هي الليلة الموعودة التي حظر منها ، بل ودبر لها النظام الملعون فكانت ليلة السلب والنهب الكبري في مصر

قبلها بأيام ، وفي يوم ٢٥ يناير صباحا ، ظهرت مجلة آخر ساعة بغلاف يقول ( إذا اختفت الشرطة سوف تصبح مصر غابة ) لم تكن السرقة والنهب ليلتها رد فعل للثورة ، بل كانت خطة مدبرة ، محكمة  وليس سلوك إجرامي عشوائي …
وأنتهت ليلة ٢٩ يناير لأبيت في الليلة التالية في الميدان

No comments: