Friday, January 25, 2013

يوميات الميدان - شاهدة عيان ٢٦ يناير


 مساء ٢٥ يناير … ذهبت إلى الميدان مرة أخرى والساعة تقترب من موعد صلاة العشاء، توجهت مرة أخرى إلى سطح العمارة التي كنت أصور من فوقها وبقيت هناك، جانب مني يرى أن وجودي فى هذا الموقع أفضل من أجل مهمتي ودوري في هذا اليوم، وهونقل ما يحدث بصورة أمينة.
وجانب آخر كان يخشى بطش الشرطة التي كانت قابعة عند مدخل شارع القصرالعيني كالذئب الخسيس ، وكانت أضواء عربات مكافحة الشغب كأنها عيونه الحمراء المحذرة من غادر آت. 

 بقيت في المكان لمدة ساعتين وعندما جاءت الساعة العاشرة مساء ، قررت النزول إلى الميدان، بعد تُجوال عدة مرات حول صينية الميدان، أصور وأنشد النشيد الوطني - لاحقا سوف أجد لقطات لكريم خزام شهيد مذبحة بور سعيد ، بين هذه اللقطات و أيضا عاطف شهيد مسجد النور الذي ذبحه بلطجية مستأجرون وهو مصاب بعد أن جروه من عربة الاسعاف والجيش يمنع الوصول لوزارة الدفاع - 

فوجئت بالزميلين عباس المليجي وأشرف عمران يقفان أمام العمارة التي كنت أصور من فوقها ، أمام مقهي التحرير في الميدان، سعدت بوجودهما وأخذنا نتناقش حول" ماذا سيحدث الآن؟ وماذا بعد؟"

كانت الساعة تقترب من الثانية عشر مساء عندما مرت "جميلة إسماعيل" من أمامنا فأجرينا معها حوارا لمدة دقائق علي الكاميرا وبجوارها ابنها نور، بعد أنتهاءنا قال  أشرف :"أيمن فاروق محررالحوادث أبلغنى تليفونيا منذ قليل أن على الزملاء المتواجدين بالميدان من الأهرام أن ينصرفوا الآن وفورا لأن هناك معلومات أن الضرب سيبدأ بصورة وشيكة!!

" لم تمر دقائق ونحن نتحدث وأنا أقول لهم بحماس أننا  كصحفيين لدينا مهمتين في الميدان وليست مهمة واحدة، الأولى هي المهمة الصحفية، والثانية هي موقفنا كمواطنين مصريين، نشارك كل الموجودين في الميدان، أحلامهم في وطن أفضل وغضبهم من كل الظلم المتراكم حولنا. 

دقائق أخرى مرت وسمعنا الانفجار الأول، انطلقت أول قنبلة مسيلة للدموع من سيارات مكافحة الشغب ، وبدأ الفزع، هرعت إلى العمارة ولم أستطع أن أصل للسطح الذى كان أغلق بابه ، فنزلت مسرعة مرة أخرى وأصوات قنابل الغاز تدوى تزلزل العمارة، طرقت باب أحد الشقق فانفتح لي، ووراءه وجه سيدة أربعينية مرعوبة تسألني ماذا أريد ، رجوتها أن تسمح لى بالدخول

من شرفتها صورت الانتهاكات والضرب التى كانت تحدث في الميدان، والتي استمرت ما لا يقل عن ساعتين متواصلتين، مر الوقت وأنا أتصل بالأهرام تارة ليرسلوا لي سيارة، واجيب على مكالمة شقيقتي وأكذب عليها ، مستغلة توقف أصوات القنابل لبعض الوقت أنني " عدت إلى المنزل"!!

كان جراج الأهرام متعاونا جدا وقال لي زميلى المشرف على الحركة "سوف أرسل لك سائقا علي الفور لا أستطيع أن أتركك" وأرسل لي بالفعل سيارة من سيارات الأهرام لميدان التحرير، أتصل بي السائق وقال أنه ينتظرني أمام "كنتاكى"

عندما هممت أن أنزل جاءت أنباء من حارس العمارة على تليفون أحد المختبأت معي في الشقة أن أمن الدولة علي سلالم العمارة يقوم بتفتيش أحد المكاتب الموجودة في العمارة و  المرتبطة بحزب الغد وأنه يسحل أي فرد يجده.

 وعندما تأخر الوقت وبالفعل كنت خائفة جدا من النزول سمحت لي السيدة نادية جرجس بكرمها أن أبقى في منزلها حتى التاسعة صباحا، نمت في غرفة كانت صورة  كبيرة  للسيدة العذراء  تزين الحائط ، وكان بجواري علي السرير صليب خشبي كبير، ولم تتركني السيدة نادية جرجس أنام إلا بعد أن أطعمتني العشاء – كان جلاشا محشيا باللحمة المفرومة -

عندما تبعتها إلى المطبخ الخشبي ، أحسست وأنا أضع قدمي داخله ، أنني أدخل إطار مشهد من فيلم  "في بيتنا رجل" ، فها أنا في بيت غريب أطعم العشاء ، هاربة من رجال البوليس الواقفين على سلم البناية ، أجواء ستينية تماما، غفلت ساعات قليلة ولم أفق إلا على صوت نادية الرقيق تقول لي " الساعة الآن التاسعة، فقط إذا رغبت أن تنزلي الآن الجو هادئ ويمكنك أن تقومي بذلك" !!

قضيت ليلتي في منزل إمراءة غريبة تعيش مع أمها ، وهي سمحت لسيدة غريبة أن تبات في منزلها وقضت الليلة على كرسي في الصالة تتابع ما يحدث في التليفزيون.

 عندما نزلت كان الميدان في التاسعة صباحا ، كان الجو هادئا تماما ، وحركة السير عادية في التحرير ،  الهدوء الذي يلي العاصفة ، كان عمال النظافة يقومون بالتنظيف ،  وحركة السيارات تسير فيه بصورة عادية، ذهبت إلى المنزل ثم إلى الأهرام

قمت بعرض الفيديوهات التي قمت بتصويرها في الميدان ولم يلقى اذاعتها ترحاب القائمين على بوابة الأهرام الإلكترونية، ففعّلت قناة "مصراوية" ، والتي كنت أنشأتها قبل شهر واحد من قيام الثورة ، ورفعت ما حدث في الميدان من سحل للمتظاهرين من قبل رجال الشرطة

بعد قليل قامت شبكة " رصد" ، بنقل التقرير الشهير عن ضرب أحد المتظاهرين  وبعد ساعات وصل عدد المشاهدات للتقرير  إلى ٩٠ ألف مشاهدة.

كنت أظن أن كل شئ أنتهى  بانتهاء الثلاثاء الصعب، وأن "المظاهرة" أنتهت ، ولكن في صباح الأربعاء بدأت التقارير الاخبارية تأتي عن مظاهرات في جميع انحاء مصر ، أما الأهرام فكان عنوانها الرئيسي عن لبنان.

لم أذهب إلى الميدان في ذلك اليوم ، قضيته أمام الكومبيوتر في المتابعة .. وعدت في نهايته إلى المنزل .. الجميع يترقب. وينتظر خاصة بعد أن خرجت دعوات " يوم الغضب" .

No comments: