Saturday, February 02, 2013

حكايات الناس العادية ... على هامش الثورة المصرية

الصورة من الانترنت - ميدان التحرير في الستينات

 
شارع الجلاء مزدحم ومتوقف .. فأذهب للمترو " محطة جمال عبد الناصر" أصعد للقطار ، أنزل لمحطة " السادات" .. مزيد من السلالم لأسفل لتغير المسار … ألاحظ سيدة عجوزة نوبية تحمل حملا ثقيلا كبيرا على رأسها وشنطة بلاستيكة في يدها وتتجه للسلم مثلي … اتطوع بحمل الشنطة ( لم تكن ثقيلة) فتبتسم وتظهر سنة اصطناعية وتمكنها يدها التي تخلصت من الشنطة من سند حمل الرأس والاستناد على حافة السلم في آن واحد.

أجلس على كرسي الرصيف في الانتظار ، فيترك شاب مقعد مجاور لفتاة رفيعة ( ربما لم تبلغ العشرينات) ، كانت هي الاخرى تحمل حقيبة سفر صغيرة بيديت كحقائب السفر ، وضعتها عندما جلست.

تمر دقيقة وألتفت لاستطلع القطار فتقع عيني علي الفتاة … أندهش وأحزن.. دمعة تتكون وتقف على الجفن الأسفل لعيني للفتاة وتضطرب ملامح وجهها كمن يوشك على أن يجهش بالبكاء ..
على حذر أضع يدي على كتفها وأسألها همسا إذا كانت "كويسة" .. لا تنتبه لي فأكرر فتنتبه .. تلتفت لي وتسقط دمعتها .. أقول لها أن الحياة صعبة على الجميع .. وأعرض عليها منديلا وأسألها إذا كانت معها نقود ( أفعل ذلك أحيانا ) وأداعبها أنني يمكن أقرضها حتى خمس جنيهات فقط  فتبتسم… يأتي القطار .. فأتأهب له.

أثناء هذه المحادثة القصيرة ألاحظ سيدة عجوز أخرى تسير ممسكة عصا بيد وطفل صغير بيد أخرى بينما حقيبة قماش  ( أتعجب من مهارة المصريين في مواصلة السير بهذه الأحمال وأتذكر صديقة هولندية كادت تسقط أرضا ، عندما رأت بائع الخبز الذي يقود دراجته وفوق رأسه طاولة كبيرة ممتدة من الخبز .. أثنت الهولندية على هذه المهارة الفريدة للمصريين ،  لأكتشف أنا أنني لم أعد ألاحظ الصبي من كثرة رؤية المشهد )

أمر لشراء طعام للعصافير .. نفذ طعامهم ويقاسمونني منذ يومين بقسماط الإفطار ، أفتفته لهم كحل بديل .. نفذ هو الآخر.

أمر على محل الحلوي ، أتمنع ، ثم أقول أنني فعلا فعلا أحتاج أن أقاوم هذه المرارة ..  ولا بأس من مغامرة استعادة بعض الوزن المفقود بصعوبة …  دخلت المحل فوجدت  ٤ رجال ، رأسهم مرفوعة باتجاه التليفزيون .. أكبرهم عمرا كان أكثرهم غضبا .. اثنين منهم  أخذوا يناقشون أخبار نفي الرجل المسحول دور الشرطة ، فيؤكد العجوز الغاضب أنهم حتما ضغطو عليه ، قبل أن يبدأ في الدعاء المخلص على مرسي ومن انتخبه … أقول لهم أن ربما حتى الحجيم ستستنكف استقبال هؤلاء الذين من فعلوا هذا العمل الشنيع في الرجل يردد الرجل الرابع .. " خلاص خربوها .. خربوها .. الاخوان خربوها"

أمر إلى محل البخور والحبوب .. صاحبه يعمل موظفا صباحا في برنامج من برامج الأمم المتحدة من عشرين عاما ( مقره في نفس المنطقة ) أطلب منه شئ فيناولني شيئا آخر … أكرر فيعتذر ويقول لي أنه لم يتناول عشائه بعد .. أعتذر وأقول له لماذا لا يذهب لتناوله فيقول أنه منذ بدأت الأحداث وهو يعاني ألما في المعدة .. ولا يستطيع تناول العشاء .. فقط كوبا من الشاي باللبن والعسل ، ويخبرني أن عمله مهدد إذا تصاعدت الأحداث لأن مكتب العمل قد ينتقل لتركيا وعليه أن يذهب معه ، وعندما حدث ذلك في يناير ٢٠١١ ، أتعبه ذلك صحيا جدا، لأنه كان يعمل من ٧ صباحا حتى ٨ مساء … ومناخ تركيا أنهكه ، يخبرني أيضا أنه لم يحصل على أجازته السنوية  ( ٤٠ يوما كل عام ) يقضيها في أسوان ( مسقط رأسه ) وأن مديره الأجنبي أخبره أنه يستطيع أن يحصل عليها في فبراير ، لكن الأحداث بدأت، أقول له علي استحياء ما الذي يستطيع فعله هنا على كل حال، فيقول لي أن عدم انتظام الطريق يمنعه من السفر "ماذا لو تعطل القطار؟" يسألني فأصمت … أدفع له النقود وأمر.

أتوقف عند المكتبة لتجليد أوراق .. شاب عشريني ورجل خمسيني ، الرجل الخمسيني يمسك مسبحة وتليفون محمول ينطلق منه صوت فريد الأطرش ويغني معه بصوت قريب جدا من صوت فريد الأطرش، الرجل لم يقطع دندنته عندما خطوت داخل المكتبة ، خفض صوته قليلا لوجود سيدة في الحيز ربما، لكنه اكمل الاغنية لنهايتها.

 انتظر الشاب ينهي تجليد الملف فينصرف الرجل الخمسيني بعد أن يستأذنه ويسأله إذا كان يحتاج منه شئ قبل الانصراف .. أتجرأ وأسأل الشاب اذا كان الرجل والده  ، فيقول أنه جاره ، أسأله هل هو صاحب المكتبة فينفي ويقول أن صاحبها والعمارة كاملة ، هو ابن القارئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد، التفت فأجدها (مكتبة اثرية جدا بها ألعاب طفولتي مثل بنك الحظ والصلصال ، وبعض الأتربة المستكينة علي الأرفف كأهل البيت ، وكل الادوات المكتبة القديمة التي لا تجدها في سمير وعلي ) اجد على الحائط خريطة لمحافظات مصر فأطلب منه شراءها .. يحاول أن يجد لي واحدة في كومة الخرائط لا يجد ، أتمتم أنا "حتى هنا لا يمكن العثور على مصر"؟ يبتسم الشاب ويقول لي سوف نجدها وينزل لي الخريطة من الحائط .. أشكره وأعطيه الأموال وأنصرف.

أفكر في السيدتين العجوزتين حاملتي الأحمال والفتاة الباكية وبائع الحلوي العجوز الثائر وبائع البخور الذي تؤلمه معدته للأحداث السياسية …

‫***‬

أغمر مساحتي في رائحة البخور … وصوت النقشبدني … استعطافا لطمأنينة مستعصية !!

‫***‬

… تخبرني رسائل الهاتف الاخبارية أن مسيرة كرستي وصلت الاتحادية ، يطمئن القلب قليلا … لازالت روح الحق ترفرف وتدفع الأرجل للسير … مازال القتل يخرج المسيرات ولم يعد شيئا ندير بعده القناة .. تقول رسالة إخبارية أخرى " مئات يحاصرون مديرية أمن الاسكندرية احتجاجا على سحل المتظاهرين"

يردد النقشبندي " يا رب فانصرنا على من بغو … أنت علينا وعليهم شهيد .. فهم بنار أججوها لقم ، وهم لشر زرعوه حصيد ونحن للحق جنود وهم للبغي والباطل كانوا الجنود … "

No comments: