Wednesday, February 13, 2013

المقابلة



أذكر هذا اليوم جيدا عندما رن جرس تليفون منزلنا , و جاء أكثر أصوات خلق الله رقة و مودة , صوت الإنسانة الرقيقة آمال زكي , مديرة مكتب رئيس التحرير تخبرني أنه تحدد لي موعدًا للمقابلة السامية في يوم الأربعاء الموافق 15 ديسمبر 1993 –  انتبه الآن فقط أن لي مجموعتي القصصية بعنوان أحزان ديسمبر - و جاءت مكالمتها يوم الاثنين السابق لذلك التاريخ .

 كان الموعد في التاسعة مساءًا ، و ذهبت أنا في تمام التاسعة و انتظرت حتى الحادية عشر إلا الربع تماما و عندما هممت بالانصراف تركت اعتذارًا مكتوبًا يفيد بالاضطرار إلى الانصراف لأن "ظروف" خاصة اضطرتني لذلك , و هي تأخر الوقت , ثم علمت أثناء حصولي علي بطاقة تحقيق الشخصية من الاستقبال أن السيد رئيس التحرير وصل.

صعدت مرة أخرى إلى مكتبه و كان لقاء قصيرًا اتبعت خلاله نصيحة أحد الأصدقاء في عدم الجلوس  إلا بعد أن يأذن لي و ألا أسند ظهري إلى ظهر الكرسي ، باختصار أجلس على أطراف الكرسي و أطراف أصبعي..و قد فعلت النصيحة بحذافيرها و تمت المقابلة التي وافق خلالها علي منحي فرصة تدريبية ( بالمناسبة هي نفسها الفرصة التي لازالت ممنوحة لي للآن ) لمدة ثلاثة أشهر بشرطين الأول أن أعرف لغتي جيدا !!

و لم أعرف ما المقصود بهذه العبارة إلا بعد أن قرب من خلف مكتبه ورقة الاعتذار التي تركتها عند انصرافي مشيرا إلى جزء منها و كان بها خطأ نحوي فـ " لأن ظروف " كانت يجب أن تكون " لأن ظروفًا" ... ما علينا ..


و الشرط الآخر تقبلي عدم الوعد بأي شئ- وقتها لم أعرف ما المقصود بهذه العبارة و حتى الآن لا اعرف أيضا ماذا كانت تعني -
أما الذي أدى بي إلى ذلك فمصادفتين أخريين أو حدثين الأول هو ذلك اليوم الجمييييل الذي كنت اجلس فيه في حجرة السفرة في منزلنا – مش بأقول  كده علشان تعرفوا إننا عندنا سفرة والله و على كل حال كراسيها مكسرة و محتاجة لإنعاش سريع  لدى أحد النجارين– و كنت أقرأ مقال ساخر لكاتب سقط من التاريخ فيما بعد لموقفه من التطبيع مع إسرائيل, كان ذلك في المرحلة الثانوية أو الإعدادية–  ..الشيخوخة المبكرة لا تسمح لي بتذكر التاريخ تحديدًا - و قفزت الفكرة تصرخ في ذهني و أنا اقفز بها من السعادة " وجدتها " ....
 ليست تفاحة نيوتن أو صابونه النكتة الشهيرة , أنها "الشغلانة" و الطريق التي ارغب في السير فيه، و قلت في عقل بالي ياااااااا سلاااام علي دي شغلة .. اقعد حاطة رجل علي رجل و اكتب شوية كلام و اقبض فلوس ايييييوااااااااه هي دي ...!!


أما المصادفة الأخرى عندما أهداني حظي السعيد – و عفوا ليس مسموحا بالتعليق على هذا الجزء - ...  رحلة مجانية قابلت فيها سيادة رئيس التحرير  و تصادف أن ألقيت فيها بعض الكتابات الشعرية المبتدئة.

حازت إعجاب الحاضرين الذين كان من بينهم فنان كان مشهورًا في الماضي و عندما انضم إلينا رئيس التحرير قدمني له هذا الفنان على أنى موهوبة و "كويسة" و يجي مني وطلب مني إلقاء بعض أشعاري أمامه مباشرة فتلعثمت و غرقت في الشبر ميه الذي يغرق فيه الجميع ، فاستأذنتهم و أحضرت كراسة الأشعار لأقرأ منها ، و كان حاضرا اللقاء طبيب نفسي مشهور و كانت المقطوعة الشعرية عن فلسطين أبدأها بـ( أماه فلسطين أناديك...)

و كان أن أعجبته أشعاري- رئيس التحرير أعني-، لكن الطريف أن الطبيب النفسي المشهور(س.هـ) أخذ في تحليلي نفسيا و أخذ يسألني هل علاقتي بوالدتي جيدة أم لا ، و والدي على قيد الحياة أم لا !...


لكن المهم أن السيد رئيس التحرير التقط الكراسة من يدي و أخذ يقلب صفحاتها ، ثم ردها لي على وعد بنشر بعضها , الأمر الذي شجعني فيما بعد أن أذهب إلى مكتبه و اطلب مقابلته مصطحبة معي هذه  الكراسة في سبيل نشر ما فيها و أذكر أنني فعلت هذا في يوم دراسي و ذهبت عقب انتهاؤه مرتدية الزي المدرسي الرمادي و بالطبع لم يتسنى لي مقابلته فتركتها  للأستاذة  العزيزة آمال زكي  ثم ذهبت مرة أخرى لاستعادتها بعدما لم ينشر منها شئ خلال القرابة شهرين ، أما المقابلة التي سمح لي بها فجاءت بعد القرابة العامين من ذلك و كانت تفاصيلها كما سبق، و أدت إلى ما جاء في هذا الكتاب بعد عشر سنوات كاملة...
.. بالمناسبة ...لم تنشر هذه الأشعار أبدا و لم تتذوق حروفها أحبار المطابع ...

لا شك أنني الآن علي أن اشكر بعض الأصدقاء الطيبين الذي ساعدوني و لكن للأسف أو لحسن الحظ -لا أعلم - فقد توفاهم الله و حيث انه لا يجوز علي الميتين إلا الرحمة فلن أستطيع إلحاق الشكر المناسب بهم و هو ليس اقل من ( حسسسسبي الله ) ..


و لا أعلم لماذا أتذكر الآن الصحفي الذي فاز بإحدى الجوائز الصحفية المرموقة و كان تعقيبه  على نجاحه في إحرازها هو ( أن النجاح في الصحافة ليس شيئا آخر سوى احتمال اكبر قدر من الصدمات و الهزائم)


 و بما أنني تذكرته فأود أن أقول له- لو وقع هذا الكتاب بالصدفة بين يديه - و أطمئنه أن الرفاق علي الدرب كثيرون وأنا أولهم و بالتأكيد لست آخرهم...
 و حيث أنني وجهة نظري عن نفسي منذ الأزل أنني فرود و مخلّصة و ماحصلتش فلن أتنازل عن حيازة الرقم القياسي في موسوعة جنيس في الصمود أمام أكبر قدر من الصدمات و الهزائم , و الدليل حتى لا يظن ظان انه مجرد كلام كتب ، أنني رغم كل ما حدث و يحدث و ربما سيتسمر يحدث لسّه فيّ الروح و النفس لتقديم كتاب ..


و اذكر الآن بشدة و تلمع في ذهني و تتردد في سمعي تلك العبارة التي يضعها سائقو السيارات النصف نقل  على مؤخرة سيارتهم


( لااااا تتعجب ...إنها إرادة الله ) أقولها لكل من سيندهش لقراءة هذا الكتاب و أنا أكاد اسمع بأذني طرقة الكف الذي يضرب أخاه و الكلمات تخرج من الفم بتنقط اندهاش و تعجب ( معقول يا أخي لسّه فيها الروح ) , تصوروا بقى لسّه فيّ الروح ..!!!
 عادي لا تندهش فقط أرجع "مرشدير" للخلف أربعة أسطر و لّا على إيه خاليك و أنا اللي هاكتب تاني ( لا تتعجب إنها إرادة الله )
----
مسودات لما لم يتيسر نشره في كتاب يوميات صوحفية ف الأهرام

No comments: