Friday, September 13, 2013

حكايات ١ : رزة خادمة سيدى أحمد البدوي




رزة .. خادمة سيدى 

هي من أجمل ما رأيت من النساء ...
وكأن الله تعالى أبقى فيها روح مصر ، التي فرت من أنفس كثيرة ، عندما ضاقت مساحات الأرض ، وابتعدت السماء ، روح قوية موصولة ،لا تأبه لما ترتدى من مرتق الثياب ، ولا ضيق رزق .. وشح حياة !
.. 
روح تتطاير بين جماعات النساء فتنثر البهجة والابتسامات الصافية لحضورها الآخاذ ، تفعل وهي تردد أغنية لا يغيب عنها بعض قبيح الكلام - أي نعم .. - 
دخلت في كادر المشهد وأنا منكفئة لقراءة القرآن في مساحة النساء في مسجد سيدى السيد أحمد البدوى .. فشاغبت روحي لتتابعها ، ارتفعت عيني لأراها تستند على تلك العصا
تتكئ عليها أحيانا … وتوجه بها أشعة البهجة ، فوق البنفسجية ، إلى النساء الجالسات في حلقات أحيانا أخرى 
فتضئ وجوه كل من تصله كلماتها بابتسامة لحظية ، كمن أشعل النور ، وكأنها ساحرة سندريلا الطيبة .. خرجت من صفحات الحكايا وتمثلت لي " إمرأة" بيضاء القلب والثياب في باحة سيدى السيد أحمد البدوي .. وها هي العلامة عصاها السحرية. 
توقفت خطوات بين حلقات النساء وأنا أتابعها عن بعد .. ولحظت أن روحها الوثابة تصمت وتكمن فجأة، ويشوب وجهها تأفف عارض من شح عطايا الجالسات ، فأشير لها بالإقتراب ليمنحها الله ما أراد من يدى ، ويمنحني من قلبها الأبيض ما أراد من طيب الدعاء .
وكأنني لامست منها الروح فاتصلت دائر الوصل لتسرى من قلبها إليّ الحكايات … 
ما اسمك ؟..سألتها فأجابت
" رزة .. أم حسن وأم عائشة .. عائشة حبيبتي تحممني " تقول بشغب وابتسامة ، وقوة روح ما رأيتها من قبل في النساء ، أصمت وأبتسم .. فينساب خيط الحكايات الحريري من فمها … عن حسن وزوجته العبوس ، ورزق تضعه في يد الابن الوحيد ليكف يد غير حنون عنها ، يد تدفعها زوجة ليست بارة بأم زوج مسنة ، تتلقي لوم الجيران أنها تفعل بصبي ضيق الرزق …
أصمت وأبتسم وأنصت ... وأكف أسئلتي انبهارا ببهجة متدفقة … فتبعد خطواتها تجاه جارتي وما تتركني ، فيمتد خيط الوصل وما ينقطع .. ، بعد أن وضعت قدم ثابتة من روحها البيضاء في باحة روحي … 
***
أترك ابتسامتي عن شفتي وأعيد عيني لصفحات القرآن ، حتى بعد ابتعادها ، وبعد لم أعد أسمع من صوتها سوى سقسقة ضعيفة … 
تشاغلني السقسقة .. فأرفع رأسي وأحاول استراق السمع لها وهي تحكى .. فلا تفسر أذني الحروف، لكن وجه جارتي والابتسامة التي تغمره يخبراني عن لذيذ وصل وخيط حريري آخر من الحكايات يمتد للجارة من قلب "رزة" !

أغلق المصحف وأخرج الهاتف … واجلةٌ أقترب وأسألها إن كانت تسمح لي بالتقاط صورة معها .. فتضمني ضمة جانبية مفاجأة ، وكأن روحي لامست عصفور يأخذه النزق ، يهدأ بصعوبة للحظة للإلتقاط الصورة .. وقبل أن ينفلت يميل على جانبي ويترك قبلة !
" رزة " خادمة مسجد سيدى السيد أحمد البدوى ، لو رأيتها لربما أخذك الألم من هيئتها البسيطة ، لكنك لو علمت مقدار ما مُنِحت لأستولت الغيرة على قلبك .. رضا من الله وسعادة وحبور ووصل غير منقطع بسر الحياة
***
طفت في الأرض ما طفت .. 
وفي مصر أخذتني خطواتي شمالا شرقا جنوبا غربا .. كيفما اتسع الوقت
وقابلت من النساء من قابلت 
أما شبيه لرزة .. فوالله .. ما رأيت !
سابقا تسآءلت عن روح مصر وعن سرها 
لماذا كل سعى وراء مجد جاءها تقربا .. وتلمسا للبركة 
جاءها الاسكندر وجاءها نابليون وجاءها غيرهم
ومن العارفين بالله جاءها الشاذلي والبدوى والشافعي، وقدموا فيها عظيم إنتاجهم، وكانت فيها خاتمتهم.
وحتى الآن .. ورغم كل المعوجات 
يقصدها ويأتي إليها كل من شغفته حبا 
أذكر الإعلامية السودانية التي التقتني مصادفة في محل لملابس النساء وما أن بدأ حديث السياسة .. أخذت تعنفني دون مساحة من عشم أن " مصر .. ليست لكم .. مصر تخص العالم" ... عندمت دافعن عن أهل التحرير واعتصامهم..
لأستمر بين حين وآخر أسأل نفسي عن سر مصر ويلغز على الجواب،..
... حتى رأيت "رزة" البيضاء " القلب والثياب" 
لو كان سر روح مصر يكمن في كائن ما على أرض هذا الوطن .. فهذا الكائن هو "رزة" خادمة مسجد سيدى أحمد البدوى ..
عزيزي .. عزيزتي 
إذا كنت بالديار المصرية .. إذهب لمسجد سيدي السيد أحمد البدوى 
قابل "رزة" وصافحها .. استمع منها لحكاية أوأغنية .. اسمح.لقلبك. أن يلامس.النور !


No comments: