Friday, September 13, 2013

حكايات ٤ : الرجل الذي وقف ببابي حاملا مظلة ليحميني من المطر


شجرة الود يبقى عطرها في قلوبنا ما حيينا / الصورة لشجرة cherry blossom تزهر في الربيع / تصوير : مصراوية









هو "رشيد" اللاجئ الصومالي الذي كان يسكن في الطابق الأول من منزل ، كنت أستأجر به غرفة أثناء الدراسة في "نورثن فرجينا"

كان "رشيد" سائق تاكسي يأتي في المساء ويجهز طعامه ، كنت أستأجر غرفة من البيت الذي يملكه هنود مسلمون ، كان صاحب البيت ساعي بريد ، وكانت زوجته " نفيس" هندية طيبة ، تحفظ نصف القرآن ، تقضي معظم الليالي بين ضفتيه ، تراجعه وتجوده ، وهي التي تتحدث الهندية كلغة الأم .

كانت نفيس تؤمني أحيانا في صلاة التراويح عندما يذهب زوجها والأولاد للصلاة في المسجد ، عندما مر بي رمضان ٢٠٠٨ هناك.

"بروزر محمد" ، كما كنت أناديه ، زوج "نفيس" ، كان بالإضافة إلي عمله ، كان يعمل أيضا في تبليغ رسالة الإسلام ، وكان يعتكف كل يوم خميس في المسجد .. وفجأة وبعد شهور قليلة ، قررت الأسرة الذهاب إلى الهند لعدة شهور لأمر خاص بعلاج " بروز محمد" وأيضا بخصوص دعوة التبليغ ، وضعوا في يدي مفتاح مسكنهم الكبير القيم ، وأبلغوني برقم حسابهم في البنك لأضع فيه الإيجار الشهري ، وبالطبع تركوا " رشيد" يستأجر الدور الأول .. وذهبوا

" صباح .. "تاك كار أوف ماي هاوس" قالها لي " بروزو محمد " وأنا أوصلهم بسيارتهم إلى مطار واشنطن ، التي تركوا لي أيضا مفتاحها .

لم يكن من مشكلة ، علىّ الدراسة ووضع الإيجار الشهري في البنك ، والحفاظ على مسكنهم .. ، سوى "رشيد" ، ذلك الجار الذي لا أعرفه ، ماذا لو أوجبت الظروف التواصل معه ؟ كيف يتصرف الصوماليون ، كيف سيتصرف رجل غريب معي ؟

وحدث ما ليس منه بد ، كان على أن أترك البيت لأقيم ٣ أسابيع في فندق في العاصمة الأمريكية من أجل زمالة أقوم بها مع الجامعة الأمريكية بواشنطن - بين المسكن في نورثن فرجينيا والعاصمة ساعة بالسيارة والذهاب والعودة يوميا صعب - وكان على أن أجد تاكسي ليوصلني ، فلجأت لمن ؟ بالطبع " رشيد" !!

يومها تحدثت إليه لأول مرة في الطريق ، أخبرني أنه جاء لأمريكا كلاجئ صومالي ، وسألني بأدب إذا كنت متزوجة أم لا ، وأنا أيضا سألته عن الأمر ذاته ، فأخبرني أنه يراسل صومالية في وضع لجوء أيضا بأوربا ويأمل أن تحضر ويتزوجا

… وقبل أن يخبرني بهذا ، صراحة ، وقع قلبي في أقدامي وكدت أتقدم لخطبته مباشرة - هكذا - عندما قال لي أن حلمه ليس أن يستمر في الحياة في أمريكا ، بل أن يعود للصومال ليبني مدرسة لتعليم الدين الاسلامي ، قال مدرسة بالعربية madrsa وقال أنه بالفعل اشتري أرضا في شمال الصومال من أجل هذا الحلم. لحظتها حدثتني نفسي " هذا هو الرجل .. أخيرا، الحمد لله، .. وجدته ، .. وجدته ، رجل لديه حلم ورسالة " ، بالطبع قبل أن يخبرني بارتباطه ، وقبل أن يدعو لي أن أجد رجلا صالحا ، وأدعو له أن يوفقه الله في استحضار سيدته إلى أمريكا.


فجأة كان على أن أعود لمصر لمدة ثلاثة أسابيع أو للأبد ، وأردت أن أبيع سيارتي ، فلجأت إليه ليأخذني لأحد الأماكن التي تقيّم أسعار السيارات ، يومها ، كانت السماء تمطر بشدة ، صاح " رشيد " علىّ من الطابق الأول وقال لي أنه ينتظرني أمام الباب ، ظننت أنه سيجلس في السيارة ليحمي نفسه من المطر ، ولكني عندما فتحت الباب وجدته واقفا يتلقى المطر ، شاهرا المظلة التي يحملها في انتظار خروجي من الباب … وحملها لي للسيارة علي بعد الخطوات اللازمة وجلس بجواري وأنا أقودها للمكان المرجو.

***

لا أعلم لماذا أطل الآن وجه "رشيد" على من أمطار " نورثن فرجينيا" ، بشهامته وكرمه ومظلته ، لم أوفق في الاتصال به منذ ٢٠٠٨ ، لكني أعلم أن " رشيد" لم يكن رجلا صوماليا قابلته في أمريكا ، يوما ما حمل لي المظلة ليحميني من المطر ، وساعدني في بيع سيارتي ، بل هو أحد ملائكة الأرض الذين نمر بهم كل يوم ولا نلحظهم هؤلاء الذين يرسلهم الله لنا ، من دون حول لنا ولا قوة !!

ملائكة الأرض هؤلاء ليس مهمتهم فقط حمل المظلات من حر وأمطار الأيام ، بل ربما مهتهم الأصلية شبيهه بمهمة الفراشات والزهور … أن يتركوا في قلوبنا أثرا أبديا للجمال ، جمال يصبح مرفأ دائم في القلوب نعود إليه ونتأمله وتستند عليه أرواحنا المتعبة من حول قبح لا فرار منه ..

اليوم أطل علي يومي " رشيد" آخر مصري ، حمل مظلة أخرى من قيظ القاهرة ، أكتب عنه بإذن الله عندما يأذن الله ، لكنه ويالعجب ، ذكرني برشيد الصومالي ، أو " بروزر رشيد" .. الذي بالمناسبة كان يصحو فجرا يصلي الفجر ويرتل القرآن ترتيلا قبل أن ينطلق في سبيل السعي للرزق.

"بروزر رشيد": أُحَمّل روح العالم رسالة لك ، في أرض ٍ تكون .. أدعو الله أن يرزقك الخير ، أتمني أن تكون سعيدا بجوار من أحب قلبك ، أتمني أن يكون أزهر عمرك أطفالا رائعين ، ومدرسة للصالحين ، أقبل يد أخي الذي حمل لي مظلة وسط أمطار واشنطن الثقيلة ، وأقبل السماء التي أرسلت لي " رشيدا" وقت كان النزق يعم المدينة وأدعو الله أن يبارك كل يد لكل رشيد يحمل مظلة لسيدة على مفرق طريق !!

No comments: