Thursday, September 25, 2014

المدينة الحجرية ذات القلب الرحيم .. ٣




بعد أن رحل عني محمود عابد وفريدة الحصي ووضعت حقيبتي في الغرفة ، خرجت مرة أخري لإحتساء الشاي ، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل وأنا أجلس وحدي في عباءتي السمراء في الجلسة العربية في بهو المعسكر ..
وجدت صالح فأخبرته أنني أود أن أصعد جبل موسي ، ولكني أتيت بمفردي ودون مجموعة ، ولا أريد أن أدفع أجرة الدليل وحدي ( قرابة ٢٠٠ جنيه ) وأفضل أن أذهب مع مجموعة. 


قال صالح أنه سيأخذني عند باب الدير - دير سانت كاترين - حيث نقطة الانطلاق للمجموعات ، شكرته ، ولكنه ودا ولطفا عرض على أن يصطحبني وفورا لرؤية النجوم بين الجبال في وادي الأربعين القريب ، وافقت على الفور !!
ركبت سيارته ثم انتبهت أنني لا أعلم هذا الشخص الذي يقود السيارة ، وأن تليفوني لا يعمل - شبكة الاتصالات لا تعمل في سانت كاترين - وكالعادة بدءت معركة بسيطة داخلية بيني وبيني .. أخذت أؤنب نفسي عن مخاطر السفر والغرباء والطريق و .. و .. و ( لماذا تفعلين في نفسك هكذااااا)
بفراسته البدوية انتبه صالح وبدء يقول أنني علىّ ألا أقلق أبدا ، علىّ أن أشعر بالآمان ..
وصلنا لوادي قريب وسط الجبال ، دون نتفة من أي ضوء آخر سوى ضوء النجوم ، وكانت ليلة بلا قمر
كان منظرا للسماء خارج حدود العقل والخيال … للمرة الأولى في حياتي أشاهد وميض النجوم ، ألف ألف نجمة تتلألأ وتتمايل ، ويالحظي السعيد ، كان ذلك يصاحبه رائحة بديعة ، بعد أن أختار صالح أن نرى النجوم في إحدى المناطق العامرة بالنباتات العطرية الجبلية ..
مرتين في حياتي وخلال أسفاري بكيت - حرفيا - من الجمال
الأولى في حدائق فرساي بفرنسا ( وقت أن سألت نفسي بصدق " ما بال الجنة" ؟) والثانية وأنا أحدق في تلك النجوم المتلألأة في صفحة السماء
… بكيت - همسا - حيث كنت في حضرة شخص غريب لا أعرفه - والبكاء أمر شخصي جدا لا يجب أن يكون في حضرة الغرباء ، سألت مرافقي عن وجهة القبلة . صليت على الرمال الباردة .. ثم طلبت منه المغادرة بعد بعض الوقت من التأمل جلس هو فيهم بعيدا خلف السيارة
لاحقا سوف أصعد الجبل ليلا مرة أخرى في صحبة غريبين وتنقطع أنفاسي وأمر من بين دروب وادي الأربعين مرة أخرى ، لكنها لن تكون بجمال الرؤية الأولى لأول مرة أشاهد فيها النجوم تتلألأ وتتمايل كما رأيت .
انتدهش مرافقي من طلب مغادرتي السريع ، وفي اليوم التالي وعندما لاحظ تأثري برؤية السماء ، عرض أن يصطحبني لنقطة أخرى فقلت له دون خجل أنه من الأفضل أن يكون الأمر في مجموعة
تطوع زميله محمد - محمد يمتلك محمد فندقا سياحيا في دهب وجاء لسانت كاترين في صحبة سائحتين نعرفهم في السطرين القادمين - فأصبحنا ثلاثتنا مجموعة.
تطوع محمد أن يأتي معنا ، وبمجرد أن غادرنا " الكامب " في سيارة محمد ، وجدناهما يسيران في طريق العودة للكامب ، "آن" (السويدية الأربعينية) و "زاهدة" (البريطانية ذات الأصول الباكستانية الخمسينية) ، السائحتين التين يرافقهما محمد في زيارتهم لسانت كاترين
سأل محمدٌ صالح لدعوتهم للرحلة المفاجأة ، فهللت أنا للفكرة ، وكذلك فعل صالح ، وبمجرد أن أطل صالح ودعاهما قفزتا لجواري في المقعد الخلفي .
… نظر صالح وقال " طلبت أن يكون في الرحلة محرم ، وأنا الآن أطالب الجيش بحمايتي من هذا الفريق النسائي"
سرنا أنا ومحمد وصالح وآن وزاهدة في الجبال قرابة الساعة ونصف ، في البداية كانت المجموعة ليست متجانسة ، وأنا لا أعرف السيدتين ، ولا هم يعرفونني .
حتى جاءت اللحظة السحرية …
عندما بدت من بعيد بعض الأضواء المتحركة في الفراغ ، وصوت دبيب أقدام سائرة مثلنا .. اقتربت الأضواء فإذا بمجموعة أخرى من البشر ، وإذا فجأة ووسط الأضواء تنفجر نافورة من البهجة مع التقاء المجموعتين ، الجميع يسلم علي بعضه في فرحة غريبة بلغات شتى ، وكأننا لم نلتقى بشر على ظهر الأرض من قبل.
كانت هناك سيدة من المجموعة الأخرى تكاد تبكي من السعادة وأخذت تحتضني ، والسيدة الأخرى أخذت تتحدث الروسية وآن السويدية تتحدث الانجليزية ، وتقول كل منهما عبارات طويلة طويلة والثانية تستمع ثم تقول " I don't speak English" أو عبارات أخرى باللغة الروسية التي لا أعرفها.
كما أخبرني صالح لاحقا ، "تاتيانا" هي راهبة روسية ودائمة الزيارة لسانت كاترين.
بعد كثير من السلامات فارقتنا المجموعة ثم واصلنا طريقنا …
كانت المجموعة هي ثلاث سيدات باكستانية ، سويدية ، ومصرية ، ورجلين ، لا يعرفون بعضهم البعض ، لكنهم كأنهم أصدقاء قدامي
يمكن أن نقول أنها ليلة من ليال الله …
بعد أن وصلنا لبغيتنا وهي مكان في منتصف الجبال… اقترحت أن نقوم بالدعاء ( جميعنا مسلمين عدا آن السويدية )
أخذ كل منا يدعو والآخر يؤمن عليه … وقتها صمتت قليلا "آن" وتحركت بعيدا عن المجموعة
فاقترحت عليها أن أمنحها حضن قالت نعم ،
أنا : can I give you a hug ?
آن : Yes
ثم أعطت "آن " حضن ل زاهدة ، ثم أخذنا نضحك جميعا عندما طلبنا من الرجلين أن يضم كل منهما الآخر ورفضوا وأخذوا يتضاحكون بأن كل منهما smelly يقول واحد عن الآخر he smells like a camel والآخر يقول he smells like a fish ملئنا زجاجة المياة التي كانت نفذت من بئر هناك وجلسنا قليلا ثم بدأت رحلة العودة التي أخذنا فيها نغني ، كل بلغته
غنت زاهدة أغنية باللغة الهندية ونحن نردد وراءها ولا نعرف معنى الكلمات وغنيت أنا وغنت آن ووصلنا لنهاية الجبل وهالات من السعادة تحيط بنا …
هذه الصحبة الطيبة التي كنت في حضرتها في هذه الليلة لم أعرفها من قبل ولكن كانت ليلة رائعة
عدنا جميعا وفوق رؤوسنا هالات من البهجة عجيبة
وعندما عندنا احتسينا الشاى و" الكيك" والساعة تقترب من الثانية صباحا
أعددت الشاي وتشاركنا ( ٧ أفراد ) في قطعة كيكة كنت قد أشتريتها ، كان الفردين الآخرين ديبلوماسي غربي وزوجته يستعدان لرحلة صعود الجبل لرؤيته من أعلى …
كانت ليلة سعيدة حقا ..
غير أن اكتشاف رحلة سانت كاترين الأكبر سوف يكون في اليوم التالي … سيأخذني محمد للقاء أحمد صالح ، خبير الأعشاب ، ويحدثني أحمد عن الأجانب الذين يعيشون في سانت كاترين وعن هذه المدينة الصغيرة وسوف يكون هو نفسه حكاية لطيفة للغاية ومؤثرة
إلى الجزء الأخير من سانت كاترين إذن .. حينها نحكى قليلا عن أطفال سانت كاترين.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10151712985347091&set=pcb.10151713349757091&type=1

No comments: