Saturday, September 27, 2014

ماذا حدث في اليمن ؟ محمد عبد العاطي يجيب !



بعد أن تقضي وقتا ما برفقة كتاب ، وتستعد لمغادرة صفحاته ، تبقى - غالبا - في قلبك بعض المشاهد أو المشاعر تأبي أن تغادرك.

تمر عينك بصفحات الكتاب ، وينطبع في قلبك وذاكرتك ما مررت به ، أو بالأحرى ما مر به أبطاله ( وفي الغالب ما يتشابك مع روحك وقلبك وتجاربك ). 

عند مغادرتي صفحات كتاب " ماذا حدث في اليمن " كانت تلك هي المشاهد التي بقت في قلبي :



مشهد : الأطفال اليمنيون الصغار وهو ينقرون رأس مدرسهم المصري بفمهم الصغير تقبيلا قبيل مغادرته ، ورغيف الخبز الذي دسته أم أحد الأطفال كهدية للمدرس الذي علم طفلها دروسا نافعة، وكان أول من أخبرهم عن الاختراع العجيب المسمى " الراديو". 


مشهد : ذلك الشاب الوحيد الذي يسير في صحراء اليمن القاحلة فيقابل الجن ويكاد يهلك في رحلة مضنية للبحث عن "الرزق" وينقذ بعناية الله وحده ، من الجن ومن رصاصات طائشة.

مشهد : الزوج الشاب حديث العهد بحياة الأسرة يسير على غير هدي وقد فقد وظيفته في بلاد غريبة ، يخاطب الرزاق ويناجيه ويلتمس منه الفرج.

مشهد : طالب الدراسات العليا في البلاد الأسيوية البعيدة وقد قرر أن يمتهن مهنة شريفة لإعانته على تكاليف تحصيل العلم ، فيعمل حلاقا في شرفة المبني الجامعي ، ويفر من أمام زبونه الأول بعد أن أفسد رأسه.

مشهد : المدرس المصري الذي يقرر أن يلتمس قروشا قليلة لتحسين معاشه ، فيعمل بائعا جائلا يبيع الأنتيكات للسائحين فيُقَابل بحرب من الباعة الآخرين فيعافر قبل أن يكف ويعود أدراجه.

مشهد : الإبن البار الذي يأتي بالحلوى سرا من وراء أمه ، لوالده المريض ويتضاحكون على نسمات ساخنة لشاي بالنعناع.
***

تلك المشاهد العجيب لشخص واحد ، وهو ويالعجب، ليس لشخصية أسطورية كـ " سانتياجو " بطل ساحر الصحراء ، الذي وسار وراء ما أراد .
 بل لشاب مصري شريف تخرج من إحدى كليات القمة ولم " تسعفه" أخلاقه الكريمة بالتعاطي مع بيئة عمل فاسدة في مصر ، فسار بحثا عن الرزق في اليمن ، وبحثا عن العلم في اندونسيا. 
هو الزميل الأستاذ الصحفي والباحث " محمد عبد العاطي " صاحب كتاب " ماذا حدث في اليمن " 
ذلك الكتاب الذي يبدو نهرا جارفا من المشاعر والمشاهد الآثرة ، نادرا ما مررت بكتاب في جراءته وصراحته.

بين دفتيه ستأخذك الدهشة والألم والشوق لمعرفة نهاية المطاف، مع هذا الشاب البسيط الذي حولته الحياة إلى بطل اسطوري ، يقابل الجن في اليمن ، ويقابل بشرا كالملائكة ، كصديقه الذي منحه فرصة الحج وأجلّ شوقه. 

الكاتب يحكي قصة حياته هو بعد أن تخرج من كلية الإعلام، وحاول البحث عن عمل صحفي في مؤسسة كبيرة، ورأي ما يخل بالأخلاق فيها ، فما أغمض عينه ، وكانت النتيجة منعه من استكمال العمل، فأخذ أموالا ادخرتها والدته لأداء فريضة الحج واشتري تذكرة ذهاب لليمن للعمل مدرسا هناك.

وبدأت الحكاية العجيبة ، قصة عجيبة تحول معها ذلك الشاب المصري البسيط ( والزميل الكبير مقاما وقيمة ) إلى بطل اسطوري - حقا دون أي مبالغة - يصارع الجن والإنس من أجل مطلب بسيط ، وإن عز،"الرزق". 

ينتهي الكتاب بالتحاق البطل - الحقيقي - بمرفأ وجد فيه أملا وعملا ، مؤسسة الجزيرة ، ولكن خلف الزمن الذي خطت فيه وريقات الكتاب ، مزيد من الكفاح ، وحش آخر يظهر في طريق صديقنا وزميلنا ، المرض اللعين يظهر فجأة دون إنذار ، ولكنه يصرعه ، بفضل الله - علمت من ذلك من متابعة أرشيفه القديم ( أفعل ذلك خلسة مع قليل جدا من دائرة الأصدقاء). 

لا أعلم لماذا أثر كتاب " ماذا حدث في اليمن " في قلبي كل هذا التأثير؟

هل لأن القصة تتشابه ؟ ذهابه للدراسات العليا في ماليزيا عام ١٩٩٧ ومناكفة الأزمة المالية العالمية لأحلامه ، مشهد تكرر لي شخصيا بعد عشرة سنوات عندما ذهبت للولايات المتحدة لدراسة الماجستير وفعلت في أزمة مالية أخرى ما فعلته أزمة الأسيان مع زميلنا ، فعدت لمصر خالية الوفاض ومثقلة القلب؟ 

ربما .. !

الذي أعلمه أن " ماذا حدث في اليمن " من أجمل  وأمتع القصص التي قرأتها. تساوي حلاوتها وألمها إن لم تفق " ساحر الصحراء " ، وكتاب " ذكريات روزا اليوسف " الذي قصت فيه الصحفية المصرية اللبنانية قصة مجدها وألمها.

الذي أعلمه أنني سوف أقرأه مرة أخرى ، وأنني سأعود من وقت لآخر ، لأستعين بألم الكتاب على ألم شخص ربما ، يربط الألم على الألم .

الذي أعلمه أنه سوف يدخل قائمتي التي أهديها للأصدقاء في أعياد ميلادهم ، ويالها من هدية. 

الذي أعلمه أنني سأبقي أدعو لأستاذنا وزميلنا ، ليس فقط على مثابرته ولكن على جرأته أن يكتب كل ما حدث ، فإن حروفه ستكون نورا يشعل الطريق لمزيد من السائرين على طريق الآمال والآلام . بوركتم سيدي. 

الكتاب صدر في القاهرة عن دار آفاق . يباع في مكتبة الشروق وتنمية بوسط العاصمة المصرية بسعر ٢٠ جنيها
// صباح حمامو - القاهرة

No comments: