Thursday, September 25, 2014

المدينة الحجرية ذات القلب الرحيم ... سانت كاترين ١


تصوير : صباح حمامو 

المكان : سانت كاترين ، سيناء ، مصر 
الزمان : أكتوبر ٢٠١٣

أجلس في دار بدوية على الأرض وحولي :
فاطمة ( ٢٥ عاما ) زوجة ومديرة - بلا راتب - لمشروع منتجات بدوية ، وطالبة متفوقة في السنة الأخيرة من ليسانس الحقوق في الجامعة المفتوحة.
نورا ( ١٨ عاما ) شقيقة فاطمة التي تحدثني وهي تدير يدها في تطريز حقيبة جميلة الألوان وتدب بحرفية الابرة الرفيعة لالتقاط الخرز من الكيس البلاستيكي.
زوجة الشيخ موسي ( ربما ستينية ) تتحدث من خلف اليشمك الذي لم تزيحه عن وجهها بلغة بدوية لا أدرك كل كلماتها وأقرب وجهي من فاطمة من وقت لآخر لاستوضح بعض الكلمات.



تقول زوجة الشيخ موسي أنها في فترة الاحتلال اليهودي كانت تدعوا كثيرا " أن يأتي الإسلام ووتذكر كيف كان اليهود يجبرون سكان سانت كاترين على التبرع بالدم كل شهرين
وأنهم كانوا يحضرون لعبا للأطفال لجذبهم لدرجة البكاء لهذه اللعب وحث الأمهات على التبرع. تتحدث أيضا عن واقعة تعذيب شقيقها على يد اليهود عندما قام باخفاء ضابط مصري كانوا يضطرون لإلباسه ملابس النساء ليتخفي محافظة على حياته.
تسألني فاطمة : " وأنت بقى تبع السيسي ولا تبع مرسي ؟ " - أستشعر الحرج البالغ إذا قرأ الريس عطية منصور هذه الكلمات.
أقول لها أنني لا أحب الطرفين لأنها كلها مجموعات متصارعة وليس منها ما يهمه مصلحة البلد لكني ضد القتل ، أرد السؤال لها فتجيب أنها تبع السيسي لكنها لا ترضي عن القتل ، تقل لي أيضا أن أمها تبع مرسي لأنها " صعب عليها" القتل ، أما أبيها ، الشيخ "مرسي" صاحب الكامب البدوي فهو تبع "السيسي".
تحدثني فاطمة بلهجة مصرية - ليست بدوية - على دراستها وأنها كانت الأولى دائما على فصلها الدراسي وأنها " موس " وأن أستاذها عندما رأي كتابها كان يضحك من كتر " الشخبطة" وأنها تراجع الكتاب كاملا من الجلدة للجلدة وأنها تمر على الكلمة الواحدة عدة مرات
ولذلك يجد من ينظر فيه عدة خطوط بعدة ألوان تحت الكلمة الواحدة. تقول فاطمة هذا بتواضع ولطف وتسألني عن دراستي فأخبرها أنني درست الآداب لكن أمنيتي أن أدرس الحقوق وأنني أفكر جدية بالالتحاق بالتعليم المفتوح.
أغبط فاطمة. وأشرب الشاي بالحبأ - النعناع الجبلي - وأتناول الفطير المصنوع في البيت وأستمع لنورا التي تتحدث - ويدها مستمرة في العمل - على أن رمضان الماضي كان صعبا جدا على سانت كاترين لأنخفاض عدد السياح جدا وأن الطعام كان بسيطا جاد على الموائد في هذا الشهر الاحتفالي.
كان في الجلسة أيضا زوجة صالح ابن الشيخ موسي ، سيدة لطيفة هادئة ، هي من صنعت لي الشاي وأعقبته بسحلب.
قبل أن أذهب لسانت كاترين كانت فاطمة ونورا وأمهما وزوجة أخيهن يختفين وراء مصطلح شبه غامض لا نعرفه ننسج حوله الأساطير وأحيانا العداء في مخيلتنا ، " بدو سيناء" .
جاء موعد المغرب فطلبت أن فصليت ثم انصرفت.
تركت سانت كاترين في نهاية الرحلة
الانسان في سانت كاترين كان .. 
صالح موسي ... الذي أصر على تلبية أمنيتي في الليلة الأولي واصطحبني لرؤية النجوم في الجبل ، مشهد بكت العين من جماله وأنا ألمح شهابا يمرق تلو الآخر.
فاطمة موسي ... الزوجة والطالبة المجتهدة والمديرة المتطوعة لتسويق أعمال أهل مدينتها
نورا موسي ... طالبة الثانوي المنتظرة التحاقها بالجامعة للتعليم المفتوح ويدها لا تكف عن العمل وقلبها

محمد ... صاحب الفندق في دهب ، والذي تطوع باصطحابي أنا وآن السويدية لمزرعة أحمد صالح ، ذلك الخبير السيناوي في الأعشاب
أحمد صالح ...خبير الأعشاب والمزارع ، والأب الذي يعامل أطفاله بلطف شديد ويصر على أن يوفر لبناته تعليما جيدا وينوى أن يرسلهن للجامعة. أحمد صالح الذي الذي سافر لأوروبا في السادسة عشر عمل هناك ثم عاد والذي دق بئرا في مزرعته لكي يخرج منه خرطوم مياه يسقى منه المارة

يجمع الأعشاب ويبيعها ويداوي بها جيرانه ويعمل خبيرا في وزراة البيئة ، ويرعي مزرعته التي يزرع فيها الخضروات ويعطي من يريد دون مقابل ، ويربي العسل والدواجن ويبني معسكرات بتكلفة منخفضة جدا لمن يود أن يأتي لسانت كاترين .. وكل هذا وهو لم يتعدي الثامنة والثلاثين.

فريدة الحصي .. صديقتي التي لم يسعدني حظي بمعرفتها كما ينبغي بعد ، وجدتها في ذلك السوبر ماركت بعد أقل من دقيقة على وصولي لأرض سانت كاترين الحبيبة ووجدتها مع محمود عابد الذي تكرم بدعوتي للعشاء حتى قبل أن يعرف اسمي وبمجرد سلامي على فريدة ، بعد أن سألني : " اتعشيتي؟ طب تعالي اتعشي معانا"
محمود عابد ... خريج الفلك المغرم بسانت كاترين والذي كانت صفحته على الفاسبوك " كاترينا" وشغفه بالمدينة الحجرية هو ما أذاب قلبي شغفي بها حتى قبل أن أذهب.

***
الانسان أيضا كان 
كارمان المجري الجنسية ، الخمسيني ، الذي يعشق سانت كاترين ، يعيش فيها بميزانية بسيطة للغاية يتسلق كل يوم جبل موسي
شوسكي ... ذلك الياباني البطل الذي قاوم وكافح وركب الميكروباصات المصرية من مدينة بورسعيد الباسلة حتى وصل لسانت كاترين ، وبالأساس ذهب من قبل لكردستان بالعراق ، ثم إلى الأردن
شوسكي الذي يصغرني بعشرة أعوام كان شديد اللطف والرفق بالسيدة التي رافقتهم رحلة الجبل ، فكان يتعمد أن يبطئ من خطوه حتى يعطيني مسافة لالتقاط الأنفاس ، في ظل ركض المجري الطيب كارمان. أحسست وأنا ألاحقهم باحساس الثمانين الذي لمس قلبي لأول مرة وأنا أؤدي آخر ركعتين لي في الروضة الشريفة ، وأخبرتهم ، ومن لحظتها سار الرجلين ينادوني بـ " ماما " طوال الرحلة.
عن المكان والزمان والبنيان والبيان .. نكمل الحكي

No comments: