Saturday, October 19, 2013

‫دروس شافيزية أردوجانية للرئيس المصري القادم ‬


‫دروس شافيزية أردوجانية للرئيس المصري القادم ‬
شافيز وأردوجان جاءوا من خارج دوائر النفوذ
الإعلام حاربهم
سجنوا من أجل بلادهم
صنعوا تغيرا اعترف به العالم

مستحيل أن يأتي رجل مخلص - بكسر اللام أو تشديدها - لمصر ويأخذها للمسار الصحيح بعيدا عن الفاشية العسكرية أو الإسلامية .. إذا كنت رددت بينك وبين نفسك هذه المقولة فمن فضلك اقرأ هذه القصة ..
**
مصر الآن لديها رئيس مخلوع ورئيس معزول ورئيس مؤقت ، ويوما ما عاجلا أم آجلا - ونأمل أن يكون عاجلا - سوف سوف يوما ما سوف يكون هناك رئيسا جديدا نأمل أن يكون دائما على الأقل لمدة رئاسية كاملة لمصر ، هذا الرجل الآن بين ظهرانينا ، وربما يقرأ هذه الكلمات، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، أيا كان اتجاهه السياسي أو سياسته التي سوف ينتهجها ، غالبا ، سوف يتنمى أن يكمل فترته في منصبه.

ورغم كل ما يقال عن خصوصيات الشعوب إلا أنه لا ضير من أن ينظر المرء إلى تجارب "الزعماء" الذين ليس فقط  أكملوا طريق وعدواأن يسيروا فيه ، بل أيضا انتخبتهم شعوبهم مرة وثانية، زعماء   آمنوا بشعوبهم وتولوا دفة القيادة في  لحظات فارقة في تاريخ بلادهم.

نموذجين أتحدث عنهم اليوم الأول هو الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو شافز ، والثاني هو رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان ، السبب في الإختيار هو أن كل من الزعيمين صنع فارقا في تاريخ بلاده

 الأول شافيز رأي ما رآه من انعدام العدالة الإجتماعية وما يعانيه الفقراء ، كان واحدا منهم ، تخرج من الأكاديمية العسكرية ، عام ١٩٧٥ ، وقام في عام ١٩٩٢ بانقلاب عسكري وعمره ٣٨ عاما ليقيم العدل. فشل الانقلاب وأمر زملائه أن ينزلوا السلاح، لم يطلب من أحد أن يقاتل من أجله، رغم أن رقبته كانت على المحك. حبس عامين وخرج من السجن شريطة أن يترك العسكرية، وافق والقي البقبعة الحمراء لكنه ما تخلى عن دوره

 كان بلا عمل ولا مورد رزق أو حزب يسانده ، لكنه تمسك بالحلم ، فطاف قرى فنزويلا قرية قرية ، وكان وقتها الإعلام يهاجمه ، فلم يكترث ، يقول عنه أحد اصدقائه الذين ذهبوا في طواف الأمل ، “ طيلة الأعوام الخمسة التي قضيناها أو الأربعة منذ خروجه من السجن ، لم يتوقف السيد[ شافيز] عن ساعة ولا دقيقة عن التجول في البلاد ولا عن الاجتماع بالناس أيا كانت الساعة ، مهما كانت مهنتهم ، ومهما كان عملهم” - كما جاء في فيلم وثائقي عن حياة شافيز.


يقول شافيز نفسه عن تلك الفترة : “كنت أنام في أي مكان وآكل في أي مكان كان ، دون نقود وكنت ملاحقا في وسائل الإعلام
 كنا نتنقل مشيا علي الأقدام، أو على الحصان أو في شاحنة قديمة”

هكذا قام شافيز بحملة انتخابية امتدت لأربعة سنوات ، دون ترسانة إعلامية ودون كثير من الضجة ، رغم أن الآلة الإعلامية للنظام القديم وقتها كانت ضده ،وعندما رشح شافيز نفسه رئيسا حصل علي المنصف بأغلبية ٥٦٪  في انتخابات نزيهه .

ليس من المهم تراي تجربة شافيز الأفضل ، ما من حرج أن تظهر علامات الاستفهات على سطح رأسك حول سياساته وبين طريقه تعامله مع معارضه بعد سنوات الحكم الأولى ، لكن الدرس الأعظم منه هو أن الناس تناصر من يناصرها ، وأن القائد الذي يحتمى بالناس لا تهزمه ترسانات الإعلام. 


أما تجربة أردوجان فقد انخرط في السياسة وهو في نهاية العشرينات ، وعندما أصبح عمره ٣٠ عاما فاز بمنصب عمدة مدينة اسطنبول ، بعد أن رشحه حزبه ، حزب " الرفاة"

وقتها كان أهم بندين من برنامج عمل أردوجان هو " توفير كوب مياه نظيفة لسكان اسطنبول ، وتقليل نسبة التلوث في المدينة."  وبالمناسبة حاربت آلة الإعلام التركية أردوجان ، لتضارب مصالح بعض الإعلاميين مع سياسات أردوجان

لم يكن يمنح أردوجان مزايا خاصة للإعلاميين، بل استرد منهم بعض المزايا ( مثل بعض الوحدات شاطئية خصصت لهم دون حق )  وكانت سياسته في ذلك هو الرد عليهم بمزيد من العمل، في أربع سنوات قام بتطوير البنية التحتية وحول خليج البسفور من مكب للنفايات لمعلم سياحي عظيم، ولم يفعل معجزة ، كانت أداته الأولى محاربة الفساد، كما قال في لقاء حواري مصري ، والأداة الأهم إخلاصه لبلاده وحلمه أن يراها في مكانة أفضل .

بعدما اعيد انتخاب شافيز رئيسا لفنزويلا عام ٢٠٠١، قام القادة العسكريون بانقلاب ضده، لكن الشعب خرج حاميا له ملتفا حول قصره ، أما أردوجان ، ورغم نجاحه في اسطنبول بين أعوام ١٩٩٤ و١٩٩٨ ، مر بأزمة سياسية وحبس عامين، لكنه واصل طريقه وشكل حزب جديد وحصل علي اغلبية برلمانية واصبح رئيس وزراء منذ عام ٢٠٠٣ ، وفي عشر سنوات تحول تركيا تحولا سياسيا واقتصاديا ملحوظا، وبرغم قوتها ، لم تسقط مظاهرات "تقسيم" أردوجان لأنه كان لديه رصيدا من " العمل" في قلب الشعب التركي.

طريق القائدين شافيز وأردوجان .. تشابهت فيه بعض الخطوات .. السجن. الاقتراب من مشكلات الناس. الحرب الشرسة من إعلام غير نزيه

أما ما كان متطابقا تماما هو .. تلك الروح الشغوفة بخدمة بلادها. وذلك الإيمان الذي لا يخالطه شك أن مستقبل أفضل ممكن.
----------

مصادر أساسية :
١- كتاب رجب طيب أردوغان .. قصة زعيم : تأليف عمر أوزباي بسلي
‏https://www.goodreads.com/book/show/12992260

٢- الفيلم الوثائقي .. شافيز . انتاج وإخراج أسعد طه
‏http://www.youtube.com/watch?v=_FZEPJA6rEo&feature=c4-overview&list=UUkXKrfdvY-ZC1ApduuGuPQQ













Wednesday, September 25, 2013

.. وماذا لو قررت الرحيل !

صحراء سيوة / أكتوبر ٢٠١٠


وماذا لو قررت أن أرتوي بمطر يافا ويشبع قلبي من هواء القدس؟
وماذا لو قررت أنني لا أنتمى لها هنا ورحلت ؟

وماذا لو ذهبت في رحلة تيه أبدية حتى تذوب القدم ويذوب جليد القلب 
  المتعطش لنبض الأرض في تلك الأركان البعيدة .. 
لتلك الأرواح المعتقة بالبهجة .. المسافرة مثلى في دروب الكون ؟

وماذا لو قررت أن أتحول لقطرة صغيرة ترحل بين شرايين تلك الكرة المتعبة كما ترحل بين شرايين قلبي قطرات الدم والحزن ؟

وماذا لو قررت ألا أعود أبدا … وأن أحرق الروح …  قطرات متساقطة من العمر ، وأنثرها بين ربوع الربيع على ضفاف تلك الأنهار البعيدة ؟

وماذا لو قررت أن أضع أول خطوة في رحلة لا تنتهي إلى الله .. أود أن أراه .. ظمأي مني تلك الروح المتعبة الصماء …  تتوق إلى وصل بعيد ؟

وماذا لو قلت أنني أود أن أعب هذا الهواء على هذا الكويكب الصغير .. كاملا .. كاملا .. 
 فيُسرُ له قلبي بما يود … ثم أطلقه حاملا رسائلي السرية إلى الأحبة ؟ 

وماذا لو أعدت تشكيل ذاكرتي .. ونقشت مستقبلا أرافق فيه العصافير .. وأخبرهم وحدهم كم طاقت أجنحتي للسماء ، أرافق فيه تلك النملات الدؤوبات في أقاصي الأرض حيث لا تفتر غريزة السعي ولا تجزع بهجتي ؟

وماذا لو إقتربت حتى غمرني النور ، حتى صهرني ، فلا أعود أبدا كما كنت ؟
أّخلق من جديد ، كما وددت أن أكون 
… أرفل في نعيم معيتك وأستكين .. 
فتزهر روحي بهاء أسطوريا لم يعرف له الزمان مثيل ؟

وماذا لو غادرتني دون رجعة الأحزان ؟ 
وماذا لو رافقني الحنان ؟
 منذ الميلاد حتى الرحيل ؟

وماذا لو خلقني الله نافذة أو جسرا أو سفينة .. أو طرقات سريعة آمنة تصل المحبين من أقصى الأرض لأقصى الأرض 
… وتتحول سلما سريعا حانيا للسماء ؟ 










Sunday, September 22, 2013

حكايات #٩ : عزومة على العشاء من " جوجل" :)




خاص مصراوية / تاريخ التصوير ٢٤ مايو ٢٠١١ 

كانت زيارة جوجل مختلفة ، مهد لها صديق قديم ، لمعرفته بأحد المديرين في جوجل ، استغرق الطريق قرابة ربع الساعة و٢٥ دولارا ( أجرة السيارة التاكسي ) لأصل لمقر الشركة

كان سائق التاكشس باكستاني ، كشأن كثير ، أخبرني أن الدنيا تغيرت الآن في السيليكون فالي وأن جوجل من أكبر الشركات الناجحة.
لم يكن يرغب السائق في أي توضيح عندما طلبت منه توصيلي لجوجل وسألني " أي مبني " قلت له المبني ٤٣ ظنا أن هناك ٤٣ مبنا ، عندما وصلت إلي المقر ، لم يكن مقرا عاديا لشركة عادية بالطبع ، جوجل ليست عادية ،  شركة جوجل تتكون من مجمع كبير من المباني العملاقة ، أمام المبني ٤٣ كانت هناك مجموعة من الدراجات الملونة بألون جوجل أندهشت ولم أجد أحد أسأله حتى أصل للمدير صديق صديقي الذي عليه أخذي في جولة في الداخل . 

 فيما بعد عرفت أن موظفو جوجل يتنقلون بين المباني الذي تصل لأكثر من دستة مباني بالعجلة ! استقبلني صديق صديقي وبدأت الجولة من المبني ٤٣ 

في مقدمة المبني تستسقبلك صور شخصية لعشرات الذين عملو في جوجل من قبل ، في الجانب سوف تقابل ستة شاشات علي هيئة شاشة الأيفون ، تستطيع من خلاهم تشغيل برنامج الجوجل إيرث الذي تستطيع من خلاله أن ترى أي مكان علي الكرة الأرضية مجسما ، طلبت من مضيفي أن ينقر ليذهب إلي موقع ميدان التحرير لأرى المبني الذي كنت أصور منه المظاهرات واضحا جليا وأرى دائرة المنتصف لميدان التحرير واضحة تماما علي الشاشات.

 فما كان مني إلا أن وضعت يدي علي الشاشات العملاقة لأشير لمرافقي لموقعي ، انتقلنا بعد ذلك إلي بهو المبني ، قبل أن نستمر في التجول بين ثلاث أو أربع مبان ، أغرب ما وجدت في مبني جوجل مكان للغسيل ، آخر للنوم وثالث للتريض ، ورابع وخامس للطعام غالبا في كل ركن من أركان الشركة هناك ركن الطعام الذي يحتوي علي تسليات ، فواكة ، شيبسي ، مكسرات ، بسكويت، أما أشهر فهو مطعم "شارلي" الذي أسموه أصحاب جوجل علي أسم أول شيف عمل للشركة وقت تأسيسها

كانت الساعة تقترب من السادسة مساء وكان هناك صفا طويلا بدأ يتكون ، سألت مضيفي عن سبب هذا الصف ، قال لي أن موعد العشاء قد حان .. 

بدأت بعض الأبواب ترتفع بصورة جماعية ليظهر من خلفها موائد طويلة ممتدة لطعام من كل صنف ولون ، وحلوى ومشروبات ومخبوزات وأجبان وكل كل شئ 

أما الحضور فمن كل بلد كان ، جميع الأجناس والألوان من موظفي الشركة التي تقدم لهم الشركة عشاء مجاني كل ليلة ، إضافة لجميع وسائل الراحة التي يمكن أن يحلم بها أي انسان ، هنود وشقر وصفر وأمريكان - كنت وقتها لم أذهب للحج بعد - ذهبت للحج بعدها بخمسة أشهر - ولم أر تجمع بشرى هكذا 

وقتها فكرت في "لاري بادج" و"سيرجي برين" لم يقوموا في الحقيقة بإنشاء موقع بحث وشركة ضخمة ، في حقيقة بوضع طعام على مائدة آلاف الأسر حول العالم أو كما يقال بالانجليزية put food on the table   من جميع الجنسيات والأعراق ، الجميع يعمل في جوجل ، ليس فقط في مقرها في كاليفورنيا ، ولكن أيضا في مقراتها المختلفة حول العالم . 

صديق الصديق الذي أخذني في جولة ، كان يبدو عليه الإرهاق وتناول الطعام معي ومع الجميع ، وفي نهاية الجولة قال لي وبينما أبدي غبطتي له لأنه يعمل في جوجل 

: حذري كم اجتماع قمت بهم اليوم ؟ 
أنا : كم ٥ اجتماعات ؟
هو : ١٢ اجتماعا !

غادرت مقر جوجل وحدث شئ عجيب جدا  .. لم يكن هناك خطوط باصات سوى خطوط باصات " جوجل " التي يركبها الموظفون وليست متاحة لأحد غريب . وموعد الغروب يقترب والنور ينسحب من السماء وأنا أسير وحدي في طريق خال متسع ..

سرت مسافة طويلة وللأسف لم أرتب لتاكسي أن يصطحبني للعودة للفندق . وقفت طويلا طويلا وكدت أبكى لا باصات ولا تاكسي ولا يعمل تليفوني ولا أحد في الطريق أتحدث إليه … 

وفجأة مر أتوبيس ممن له علامة جوجل .. يبدو أن مشهدي وحيدة على الطريق دفع السائق أن يتوقف اشفاقا على ذلك الكائن المنزوي .. - كان رجلا هندوسيا يرتدي تلك العمامة الهندوسية الشهيرة ويضع البقعة الحمراء في جبهته - صعدت وقلت له أن يأخذني لمحطة القطار فوافق - رغم أن ذلك مخالفة . وذهبت لمحطة القطار ومنها ركبته لمحطتي لفندقي .

أحيانا أفكر كيف سيكافئ الله تعالى هؤلاء العظماء أمثال مبتكري كل أدوات التكنولوجيا … هم حقيقي غيروا حياتنا .. ولكن عندما .. سمعت مؤخرا حديثا للصحفية العظيمة كرستينا فريلاند عن تأثير أكثر الأثرياء ثراء على الاقتصاد العالمي وعلى دخول متوسطي الدخل ، أفكر أن ربما يكون هؤلاء العظماء منحونا الكثير ، لكننا أيضا منحناهم وأننا لولانا ما كان نجاحهم وأيضا لولاهم ما تيسرت أمور حياتنا في أمور كثيرة ، هي معادلة عادلة .. والله أعلم 
---

شكر خاص للدكتور دانيال أرمنيوس الذي سمحت لي ترتيباته بزيارة شركة جوجل  :) 

حكايات #٨ : ارفع يدك من علي "الكيبورد" .. أنت في "السيلكيون فالي" ! 1

 تصوير : عابر(ة) سبيل - المكان أمام مقر الفاسبوك ، كاليفورنيا أفونيو 


 عندما نضع أيدينا علي الكيبورد وننقر الحروف كل شئ يحضر إلينا ، الأمكنة ، المعلومات ، الصور ، الفيديو ، هكذا يفعل الناس في كل مكان ، ولكن عندما تكون في السليكون فالي، حيث تقع مقارات أكبر شركات التكنولوجيا والانترنت فربما عليك أن ترفع يدك من علي الكيبورد لتنظر حولك ..  

"السيلكيون فالي " في ولاية كاليفونيا يقع مقارات أكبر شركات التكونوجيا في العالم ، جوجل ، فاسبوك ، أدوبي ، تويتر الخ.

ولأن الفاسبوك كان له دور لا ينكر كوسيلة أساسية للتواصل فيما قبل فترة الثورة المصرية ، فكان الاختيار الأول 
هو "زيارة" الفاسبوك  و الزيارة هنا لا تعني الذهاب إلي شاشة الكومبيوتر وكتابة www.facebook.com ولكن الذهاب إلي المقر الفعلي للشركة التي تقع علي الأطرف  لمقر جامعة ستانفورد. 
خاص مصراوية - مدخل شركة فاسبوك في كاليفورينا

يقع مقر الشركة في نهاية شارع كاليفورنيا Califorina AVE ويمكن الوصول إليه من خلال محطة القطار بالو ألتو وعندما تقترب من نهاية الشارع سوف تشعر أنك ضللت الطريق إلي منطقة سكنية عادية، خاصة إذا كانت الصورة التي لديك لمقر واحدة من أكبر شركات الانترنت في العالم الآن هو مبني شاهق زجاجي وعليه في الأعلي أسم FaceBook مكتوب بحروف بيضاء علي خلفية زرقاء ، قبل أن تنظر إلي اليمين لترى مبني بسيط مكون من طابق يقف أمامه مجموعة من الشباب الذين يحملون كومبيوتراتهم المحمولة والتي معظمها ماركة أبل ماكنتوش برو ، قبل أن أتأكد من أن المبني هو للفيسبوك تقدمت من سيدة خارجة من المبني أسألها إذا أين يقع مقر الفيسبوك، قالت لي " هذا هو مقر الفيسبوك" كان شكل المبني مخيبا للصورة التي رسمتها في ذهني للفيسبوك ، طلبت من السيدة التقاط صورة لي أمام اللافتة التي عليها اسم الفيسبوك ، قبل أن أتوجه للمكتب الأمامي للشركة حيث كانت توجد سيدة أظهر حديثها لرجال الأمن بالاسبانية أنها من أصول أمريكي لاتينية.

أنا : أنا صحفية من مصر وأريد أن أزور مقر الشركة وأقضي يوما لكتابة قصة صحفية للجريدة التي أعمل بها

لم تبدو السيدة تستوعب ما قلت سوى بعد أن كررته لها مرة أخرى ، ولكن "بتواضع" أكثر عندما قلت لها أنني أريد أن أقضي عدة ساعات وليس يوما واحدا. سحبت السيدة ورقة صفراء من الأوراق اللازقة التي نسميها " ستيكرز" وكتبت press@fb.com وقالت لي وهي تناولني إياها أنني علي أن ارسل طلب بهذا لهذا الايميل ، بدت علي وجهي هذه المرة علامات عدم الاستيعاب ، وتحدثت لنفسي " ايميل" ؟ لماذا علي أن ارسل رسالة بريدية لمكان أنا متواجدة فيه بالفعل ؟ :) 

قلت لها أنني من "مصروأنني متواجدة لأيام محدودة في ستنانفورد وأنه يمكنها أن ترفع سماعة الهاتف لتخبر قسم العلاقات العامة أن "صحفية من مصر" متواجدة وأنها ترغب في زيارة الفيسبوك ، كان رد السيدة أن سياسة الشركة لا تسمح بذلك وأنها لا معلومات لديها بمن يعمل في قسم العلاقات العامة فكل المتوافر هو الأسماء الأولى والثانية للعاملين دون أسماء من يعمل أين !

لم يفت ذلك في عزيمتي وتصورت عندما انعش ذاكرتها بأخبار "ثورة مصر" وأن "الفيسبوك" كان من الوسائل الهامة في التواصل أثناء ثورتنا ربما يجعلها ذلك تغير رأيها ،

أنا في مخيلتي :  " مصر ، الثورة ، الفيسبوك !! "

 لكن يبدو أن الأمر لم يقنعها ولم أغضب علي الاطلاق ، فمن حق أي شركة تضع سياستها بما يخص شؤون العمل ، أنتظرت بعض الوقت في الاستراحة الأمامية للشركة حيث كانت الحركة تسير بصورة عادية ، وفكرت في اقامة مظاهرة صغيرة أمام مقر الفيسبوك تحت عنوان " الشعب يريد زيارة الفاسبوك" والاعتصام وحمل لافتة حتى تعلم ادارة الفاسبوك أنها تقوم بخطأ بالغ حين تمنعني من زيارة مقرها ، غير أني فقط قررت أن أعود أدراجي وسحبت الورقة الصغيرة من حقيبتي المكتوب عليها press@fb.com وارسلت لهم ايميل لم أتلقي إجابة عليه للآن ، ولم يفتني أن ألتقط صورة خارج المبني " توثيقا" لزيارتي للفاسبوك . 

Thursday, September 19, 2013

حكايات #٧ : من الصحراء

خاص مصراوية : تاريخ التصوير ٢٥ أبريل ٢٠١٣ المكان ، صحراء مصر الغربية بالقرب من واحة سيوة

أبرمت إتفاقا أنا و"نداهة الأسفار" …
ألا أعصى لها أمرا ، وهي بدورها تساعدني أن أرى من آيات الله عجبا

وقد كان .. الخميس الماضي وبعد ضيق مفاجئ سببه أحد الأصدقاء
أخذت الحقيبة وذهبت للصحراء

تآمر كل من الصديق والقمر المكتمل وأجازة سيناء من أجل منحى وقتا من أمتع أوقات حياتي في هذا العام إن لم يكن أمتعها على الإطلاق

نزلت في نفس الفندق الخيالي الذي وقعت في غرامه في الشهر الماضي ، عندما زرت "سيوة" و"الجارة" وكتبت عن المكان الذي يأمل كل منا أن يذهب إليه "واحة الجارة … حيث لا فاسبوك أو تويتر"

وصلت ليلا ..
في الصباح ،وكان يوم جمعة ، ورغم الإفطار الشهي 
يقدمه الفندق ، أحسست بشوق للطعمية الساخنة ، ارتديت العباءة السوداء - التي اشتريتها من رحلة الحج المبهرة - وترجلت تجاه بائع الطعمية ، ذو الوجه البشوش الذي يقول ألطف " صباح الفل" صادفتني مؤخرا …

ما أن وصلت حتى وجدته ، "يوسف" ، وبجواره حسناء صغيرة بشعر منسدل وابتسامة بهية ، "سلمى" طالبة اللغة العربية التي تدرس بالإسكندرية ، الهندية البريطانية المسلمة.
أبدت سلمى كثيرا من الدهشة والتهلل لرؤيتي ، وقالت أنها لم ترى نساء في رحلتها السابقة لسيوة وأنها " سو هابي تو سي ويمن" !! so happy to see women

رفض "يوسف" أن أشترى أي شئ ودعاني للإفطار معه و"سلمى" في فندق ثالث بخلاف الفندق الذي أقيم به ، والثاني الذي تقيم به "سلمى" ، وافقت على الفور.

"يوسف" ذلك الشاب السيوى الذي تخرج من كلية الحقوق ، يعمل في السياحة ، لا يشرب الخمر أو المخدرات "لأنها حرام" كما أجابني عندما سألته،  لكنه يغني ويعزف "الدف" بمرح ، ويطيع أمه ويترك حفلة السمر إذا دقت على تليفونه ليأتي ليوصلها من مكان لآخر !

... بعد الإفطار، هدية أخرى ألقتها السماء ، رحلة في الصحراء مع "يوسف" و"سلمي" وعروسين جديدين من القاهرة ، تشاجرا في شهر العسل قبل عام ، وقررا أن في الإعادة إفادة ، فذهبا إلى "مرسي مطروح" للمرح وفي طريقهم للعودة إلى القاهرة وجدا إعلانا عن مكان جديد لم يعرفوه من قبل " سيوة" ، فرغبا أن يذهبا لرؤيته بعد نقاش كانت الزوجة فيه أكثر حماسة.

وقفوا في محطة الاتوبيس وقرروا : اذا جاء اتوبيس القاهرة أولا سيذهبو إلى القاهرة ، سيوة أولا سيذهبون إلى سيوة ، وقد كان وجاء أتوبيس سيوة أولا !

***

سيارة واحدة جمعتني في الصحراء مع "سلمى" وصديقتها والعروسين المجانين اللطاف و"يوسف"
واحد من الأيام التي امتلأ فيها القلب بالفرح المباغت ، صحراء ساشعة صفراء وقلوب نقية خضراء تستجيب لصوت الحياة عندما تغرد

في الاستراحة أخبرتني العروس عن عريسها الشاب الذي قرر أن ينفلت من مشكلات الميراث ويفتتح أعماله منفردا، بعد سلسلة من " الجمعيات" التي قبضها أولا وافتتح محله الخاص بعيدا عن بزنس العائلة.

أما "سلمى" وبعد أن رددت بعربية مكسرة دعاء الركوب وراء يوسف ، أخذت ترقص جلوسا ثم وقوفا كلما جاءت فرصة ، سلمى فخورة أنها تستطيع الرقص الشرقي وقالت أنها تتابع دروسا في بريطانيا العظمى لتعلمه !

ذهبنا على حافة الحدود الليبية المصرية إلى " بحيرة شياطة " ، مكان بديع ، جمال يأسر القلب ، ومرفأ للروح , معظم الحضور كان من الأجانب ، وقليل من المصريين 








بحيرة شياطة - الحدود المصرية الليبية - الصورة من فلكر


 ***

انتهى اليوم بعشاء في " كامب" في الصحراء ، حيث رأيت ذلك الشاب البريطاني الخجول الذي يكمل تعليمه عن بعد ، ويعمل في مصر في تعليم الأطفال المصريين الأثرياء اللغة الانجليزية ، ويبحث عن فرصة تدريبية في إحدى شركات المحاماة في فترة الصيف .

تركتهم يرقصون … ويعزفون في "المربوعة" وخرجت لأميل واستند على القمر وأخبره بكل ما في القلب له على نغمات " قصدت بابك"

إذا ما تزايدت أحمال قلوبكم .. إذهبوا إلى الصحراء حيث تجدون هناك مرفأ

حكايات ٦# : رسائل إلى الله

الصورة خاصة بمصراوية / التقطت لسماء القاهرة

كنت في الأردن في ورشة عمل ، بعدها وبينما استعد للرحيل للقاهرة أخبرتني "المدربة" أنها ذاهبة للبتراء ، ولم اكن زرتها من قبل ، وكانت مدربة ألمانية شديدة اللطف والرقة
قلت لها : هل يمكن أن أتي معك؟ 
قالت : بالطبع ... بل سيكون افضل من أذهب بمفردي
عرضت عليها مشاركة إيجار السيارة والبنزين فرفضت بإصرار

وخلال دقائق كنت غيرت موعد طائرتي للقاهرة
في الطريق أخبرتني علي استحياء أنها تود المرور بنهر الأردن، في المكان الذي تم تعميد السيد المسيح فيه ، ترددها كان ظنا منها أن ذلك ربما يضايقني - لاختلاف الديانة - رغم أنني الضيفة عليها في رحلتها
 
أكدت لها أنني سوف أكون سعيدة بهذه الزيارة ، فلم اكن أبدا هناك.

ذهبنا وملأت صديقتي زجاجة مياه من نهر الأردن من أجل أمها الكاثوليكية المتدينة ( كما نملأ نحن مياه زمزم من أجل الأحبة )

سعدت بسعادتها الغامرة وابتسامتها التي كادت تسع الأرض لأنها في الأرض المقدسة.
وبينما يحدث ذلك كان قلبي يسر الي الله بامنيتي القديمة أن أزور الأراضي المقدسة ، مكة والمدينة .
بعد الزيارة ، وفي الطريق للبتراء، مررنا بمساحة شاسعة من الأرض  لا يحدها على مرمى البصر شئ سوي السماء!
طلبت منها أن تصف السيارة ، وأن ننزل لترسل كل منا رسالة الي الله
شريطة إلا تخبر إحدانا الأخري عن رسالتها إلا إذا أجاب الله تعالي ، وتسلمنا " الدلفري ريبورت" - delivery report - أو تقرير الإستلام.

كنا سيدتين في طريق صحراوي نحمل قلوبا مخلصة في حب الله، هي كاثوليكية متدينة وأنا مسلمة أوحد الله تعالي.


رسالتي الي الله كانت 

I want get close to You

كتبتها بالانجليزية ، وبقطعة من الطوب علي صخرة بيضاء
وعدنا للسيارة  ووصالنا السير حتى البتراء.


***
عندما عدت للقاهرة ... وجدت إشارة على قرب الاستجابة
ولم تمر أسابيع قليلة إلا وكنت في بيت الل الحرام بشبه معجزة ... دون محرم وفي ثلاثينيات عمري أؤدي الحج

كان ذلك في عام الثورة ٢٠١١ 

عندما كتبت لصديقتي الألمانية أخبرها أنني تلقيت ال " دلفري ريبورت" ، أسعدها الخبر كما أسعدتني سعادتها وهي تزور الأرض المقدسة قرب نهر الأردن ، سعادة يرفرف القلب في رحابها كلما استعادتها الذاكرة .


....
أرسلوا رسائلكم الي الله 
فهو والله سميع بصير وأقرب إلينا من حبل الوريد

Friday, September 13, 2013

حكايات ٥ : محمد


هذه الصورة أعجبتي كثيرا وأخذتها من هذه الوصلة https://history.lds.org/overlandtravels/


كنت في طريق العودة أنا وأمي .. يمر التاكسي مسرعا بالميدان القريب من نادي المعادي الشهير .. يأخذ عيني المشهد .. تماما شاب معاق .. يدفع كرسيه المتحرك برجليه .. يدفعه بعنف وإصرار والسيارات تدور حول صينية الميدان مسرعة .. يتوقف ويرقب برأسه التي طالها بعض العطب في الحركة .. ، أخبر السائق: توقف من فضلك. أبلغ أمي "سأنزل هنا ثم أعود" أذهب إليه ، أعلم وجهه جيدا ، رأيته ربما في ميدان التحرير أو بالقرب من محطة مترو المعادي ، لا أذكر تماما !!


أذهب إليه .. استأذنه أن أدفع كرسيه .. أفعل .. أسير به وأعبر ش ٧٧ فيستوقفني رجل .. يقول: "اتركيه .. إنه يعلم كل شئ ، انه عفريت". أسأله: هل تعلم أين يسكن ؟ أين أمه ؟ يصف لي ثم يستحثي أن أتركه !! لدهشتي يقول لي: "هاتتعبي نفسك !!"


أدفع محمد حتى يدلني على التوقف عند بائع موز يقف بعربة حديدية أتوقف وأسأل الشاب بعض الأسئلة عمن يرعاه وأين أسرته محمد كلامه كما حركته ، ثقيل .. لكنه يشير لي باصرار لموضع معين في كرسيه المتحرك .. ألاحظ ، فيقول لي كلمة واحدة " اتعور" .. الاحظ أن الكرسي المعدني مشقوق .. أقول لمحمد أنني سوف آتي له بكرسي آخر. يقول محمد كلمة غريبة ويكررها بإصرار لا أفهمها .. إلا بعد أن كررها مرتين أو ثلاث .. كان يسألني " متى" !! قلت له هذا الاسبوع باذن الله


أسأل الشاب الآخر .. : من يتكفل بإطعام محمد ، فيقول لي: هو يطعم نفسه ، لا يرضي أن يطعمه أحد عندما يحتاج لطعام يعطيني نقود لاشتري له.


كان ذلك يوم الجمعة .. بالأمس اتصل بي الشاب بائع الموز للمرة أولى كانت أم محمد ، قالت لي أؤمري يا مدام ، قلت لها أريد أن أتواصل معك فاعطتني تليفونها .. اتصل بي الشاب ثانية .. هذه المرة كان محمد يريد أن يتحدث لي .. محمد كلامه كما حركته بطئ لا أفهم شئ تقريبا .. لكني أفهم أن محمد ذلك الشاب المعاق الذي يدفع نفسه جيئه وذهابا ويخوض غمار الحياة وسيارات الميدان السريعة أراد أن يتحدث لسيدة رآها مرة واحدة أبدت له بعض الود. محمد عمره عشرين .. لديه كرامة ولا يقبل أن يطعمه أحد .. يدفع كرسيه وينتظر عطف الله عليه من أيدي البشر .. لا يقبل أن يطعمه سواه.


محمد شاب في العشرين من مصر نسيت أن أقول أن محمد كان يبتسم

حكايات ٤ : الرجل الذي وقف ببابي حاملا مظلة ليحميني من المطر


شجرة الود يبقى عطرها في قلوبنا ما حيينا / الصورة لشجرة cherry blossom تزهر في الربيع / تصوير : مصراوية









هو "رشيد" اللاجئ الصومالي الذي كان يسكن في الطابق الأول من منزل ، كنت أستأجر به غرفة أثناء الدراسة في "نورثن فرجينا"

كان "رشيد" سائق تاكسي يأتي في المساء ويجهز طعامه ، كنت أستأجر غرفة من البيت الذي يملكه هنود مسلمون ، كان صاحب البيت ساعي بريد ، وكانت زوجته " نفيس" هندية طيبة ، تحفظ نصف القرآن ، تقضي معظم الليالي بين ضفتيه ، تراجعه وتجوده ، وهي التي تتحدث الهندية كلغة الأم .

كانت نفيس تؤمني أحيانا في صلاة التراويح عندما يذهب زوجها والأولاد للصلاة في المسجد ، عندما مر بي رمضان ٢٠٠٨ هناك.

"بروزر محمد" ، كما كنت أناديه ، زوج "نفيس" ، كان بالإضافة إلي عمله ، كان يعمل أيضا في تبليغ رسالة الإسلام ، وكان يعتكف كل يوم خميس في المسجد .. وفجأة وبعد شهور قليلة ، قررت الأسرة الذهاب إلى الهند لعدة شهور لأمر خاص بعلاج " بروز محمد" وأيضا بخصوص دعوة التبليغ ، وضعوا في يدي مفتاح مسكنهم الكبير القيم ، وأبلغوني برقم حسابهم في البنك لأضع فيه الإيجار الشهري ، وبالطبع تركوا " رشيد" يستأجر الدور الأول .. وذهبوا

" صباح .. "تاك كار أوف ماي هاوس" قالها لي " بروزو محمد " وأنا أوصلهم بسيارتهم إلى مطار واشنطن ، التي تركوا لي أيضا مفتاحها .

لم يكن من مشكلة ، علىّ الدراسة ووضع الإيجار الشهري في البنك ، والحفاظ على مسكنهم .. ، سوى "رشيد" ، ذلك الجار الذي لا أعرفه ، ماذا لو أوجبت الظروف التواصل معه ؟ كيف يتصرف الصوماليون ، كيف سيتصرف رجل غريب معي ؟

وحدث ما ليس منه بد ، كان على أن أترك البيت لأقيم ٣ أسابيع في فندق في العاصمة الأمريكية من أجل زمالة أقوم بها مع الجامعة الأمريكية بواشنطن - بين المسكن في نورثن فرجينيا والعاصمة ساعة بالسيارة والذهاب والعودة يوميا صعب - وكان على أن أجد تاكسي ليوصلني ، فلجأت لمن ؟ بالطبع " رشيد" !!

يومها تحدثت إليه لأول مرة في الطريق ، أخبرني أنه جاء لأمريكا كلاجئ صومالي ، وسألني بأدب إذا كنت متزوجة أم لا ، وأنا أيضا سألته عن الأمر ذاته ، فأخبرني أنه يراسل صومالية في وضع لجوء أيضا بأوربا ويأمل أن تحضر ويتزوجا

… وقبل أن يخبرني بهذا ، صراحة ، وقع قلبي في أقدامي وكدت أتقدم لخطبته مباشرة - هكذا - عندما قال لي أن حلمه ليس أن يستمر في الحياة في أمريكا ، بل أن يعود للصومال ليبني مدرسة لتعليم الدين الاسلامي ، قال مدرسة بالعربية madrsa وقال أنه بالفعل اشتري أرضا في شمال الصومال من أجل هذا الحلم. لحظتها حدثتني نفسي " هذا هو الرجل .. أخيرا، الحمد لله، .. وجدته ، .. وجدته ، رجل لديه حلم ورسالة " ، بالطبع قبل أن يخبرني بارتباطه ، وقبل أن يدعو لي أن أجد رجلا صالحا ، وأدعو له أن يوفقه الله في استحضار سيدته إلى أمريكا.


فجأة كان على أن أعود لمصر لمدة ثلاثة أسابيع أو للأبد ، وأردت أن أبيع سيارتي ، فلجأت إليه ليأخذني لأحد الأماكن التي تقيّم أسعار السيارات ، يومها ، كانت السماء تمطر بشدة ، صاح " رشيد " علىّ من الطابق الأول وقال لي أنه ينتظرني أمام الباب ، ظننت أنه سيجلس في السيارة ليحمي نفسه من المطر ، ولكني عندما فتحت الباب وجدته واقفا يتلقى المطر ، شاهرا المظلة التي يحملها في انتظار خروجي من الباب … وحملها لي للسيارة علي بعد الخطوات اللازمة وجلس بجواري وأنا أقودها للمكان المرجو.

***

لا أعلم لماذا أطل الآن وجه "رشيد" على من أمطار " نورثن فرجينيا" ، بشهامته وكرمه ومظلته ، لم أوفق في الاتصال به منذ ٢٠٠٨ ، لكني أعلم أن " رشيد" لم يكن رجلا صوماليا قابلته في أمريكا ، يوما ما حمل لي المظلة ليحميني من المطر ، وساعدني في بيع سيارتي ، بل هو أحد ملائكة الأرض الذين نمر بهم كل يوم ولا نلحظهم هؤلاء الذين يرسلهم الله لنا ، من دون حول لنا ولا قوة !!

ملائكة الأرض هؤلاء ليس مهمتهم فقط حمل المظلات من حر وأمطار الأيام ، بل ربما مهتهم الأصلية شبيهه بمهمة الفراشات والزهور … أن يتركوا في قلوبنا أثرا أبديا للجمال ، جمال يصبح مرفأ دائم في القلوب نعود إليه ونتأمله وتستند عليه أرواحنا المتعبة من حول قبح لا فرار منه ..

اليوم أطل علي يومي " رشيد" آخر مصري ، حمل مظلة أخرى من قيظ القاهرة ، أكتب عنه بإذن الله عندما يأذن الله ، لكنه ويالعجب ، ذكرني برشيد الصومالي ، أو " بروزر رشيد" .. الذي بالمناسبة كان يصحو فجرا يصلي الفجر ويرتل القرآن ترتيلا قبل أن ينطلق في سبيل السعي للرزق.

"بروزر رشيد": أُحَمّل روح العالم رسالة لك ، في أرض ٍ تكون .. أدعو الله أن يرزقك الخير ، أتمني أن تكون سعيدا بجوار من أحب قلبك ، أتمني أن يكون أزهر عمرك أطفالا رائعين ، ومدرسة للصالحين ، أقبل يد أخي الذي حمل لي مظلة وسط أمطار واشنطن الثقيلة ، وأقبل السماء التي أرسلت لي " رشيدا" وقت كان النزق يعم المدينة وأدعو الله أن يبارك كل يد لكل رشيد يحمل مظلة لسيدة على مفرق طريق !!

حكايات ٣ : سائق تاكسي .. أحد جنود أكتوبر، والرجل المؤمن الذي زاره النبي


+Masrawyya From Egypt 


كان على أن أحصل على عملة أخرى أدفع بها مديونية صغيرة ، بعد أن ركبت التاكسي بثوان ، لمحت الصرافة القريبة مفتوحة ، قلت للسائق "انتظر لحظة" ، نزلت ، ما وجدت ما أريد ، عدت ، فوجدت التاكسي فر.

لم ألم نفسي أنني خطوت لما رأيته صحيحا ، أشرت لتاكسي ، وأثنين ، ثم كان الثالث ، رفض أن يفتح الزجاج وأشار لي مبتسما أن أركب .

ركبت ، قلت له أين أذهب ، قال لي أنه في كل الأحوال ذاهب هناك ، وقال لي عن أن عمله يقتصر على العمل وفق المواعيد و لا يسير في الشوارع يبحث عن زبائن ، ثم انفرط حبل الحكاية من فمه.

هو يملك السيارة ، وكان محاربا من محاربي أكتوبر ، أفضل أيام حياته كانت أيام الحرب ، وأن كلمة " الله أكبر " كانت تزلزل الجبل وهم يرددونها ، عند العبور ، وأن كل من عبر القناة كان يقبل أرض سيناء وكأنه وصل الأراضي المقدسة ، وأن جنود المحتل الإسرائيلي كانوا يفرون من الدبابات عندما يلوح لهم الجنود المصريون " بعلب السلامون " فتضئ في نور الشمس وتبدو لجنود الإحتلال كما لو أنها قنبلة.

قال لي أنه أخذ أمه المسنة وهي في التسعين من العمر للحج ، وأنه رأى نبي الله في المنام في رحلة الباخرة التي ذهبوا فيها وأنه رآه مرة أخرى أثناء الـ ١٨ يوما وأنه عندما سأل صحبة النبي ماذا جاء يفعل - صلوات الله وسلامه عليه - في مصر أخبروه أنه جاء ليضع الدستور !!

قال لي الرجل أن جيش مصر لابد أن نحافظ عليه ، لأن المنطقة الآن ليس بها سوى الجيش المصري والجيش التركي والجيش الإسرائيلي بعد تفتيت جيش العراق والآن سوريا

كان الرجل " البسيط" يتحدث بحكمة وبساطة تعطيني أمل أن مصر طالما كان بها مثل ذلك الرجل ، فلن تضام ولن تذل … وأنها بخير

سألته عن شعوره تجاه ما يحدث في سيناء وهو واحد من الذين كادوا يدفعون دمائهم ثمنا لها ، فقال لي أنه عندما سمع نبأ الإفراج عنهم " وقف شعر رأسه" وبكى … *** أنا مصرية … هويتي المربكة ، ما تمنيت أن أكون شيئا آخرا ، ليس لي فضل ، ولو كنت فلسطينية أو لبنانية أو سورية لافتخرت .. لكني عندما رأيت هذا الرجل أعدت الزيارة لتلك الهوية لأتأملها ..

شيئ ماعجيب في روح هذا الشعب ، فرغم كل المساؤي والعلل المقيتة .. شيئ يأخذك أخذ عزيز مقتدر عندما تلامس روحه الكامنة في تلك الشخصيات البسيطة الآسرة

شيئا ما لا أدركه سوى نتفا ، لكن عندما أفعل ، فكأنني ألمس بيدى العارية تلك الروح القديمة المعبقة بما لا يدرك ، ذلك العطر السحرى العجيب ، عندما تحسه .. تعيد حساباتك ألف مرة حيال كل شئ في الحياة.

لمشاهدة الفيديو 
http://www.youtube.com/watch?v=W-69eJSC184




حكايات ٢ : صاحبة أشهر قلم في شارع الصحافة المصرية




من صاحبة القلم في شارع الصحافة المصرية التي لا يعرفها أحد؟


 بائعة الأقلام التي من مداد أقلامها كتب صحفيو مصر ، بينما عاشت هي ورحلت دون كلمة واحدة عنها أو منها

كلما مررت من أمام الأهرام .. الذي يقع في شارع الصحافة المصرية الشهير ، كنت أراها تجلس .. في صمت و نظرة منكسرة

أمر عليها وأنظر ، سيدة تجلس على مقعد غير مريح مصنوع من "آنية" مستديرة معدنية وفوقه قطعة من الكارتون تعلوها قطعة من الاسفنج

من مداد أقلامها كتب صحفيو شارع الصحافة على مدى سنوات انفراداتهم وأخبارهم .. ، من من صار رئيسا للتحرير ومنها من صار مستشارا لرئيس ، بينما هي جلست هناك تبدو سبعينية .. كل مرة مررت عليها كان يدور في رأسي سؤالين :

ألا تتعب هذه السيدة المسنة من تلك الجلسة على ذلك الكرسي الفقير غير ذو المسند ؟ ألا يمكنني التوسط لها للحصول على كشك لتجلس فيه ، فقط ، تجلس وهي تشقى وتعمل ساعات طويلة ، في الغالب لا يعملها من في سنها ؟

كل مرة كنت أسأل السؤال .. وأمضى

حتي اختفت من وقت قليل - أو ربما شهور ممتدة .. أربكت الثورة وأحداثها الذاكرة

مررت منذ يومين ، وجدت طفل صغير به ملامحها .. توقفت وسألته - وكنت أعلم عن رحيلها من زميل - هل هناك صورة لها ؟

قال الصبي: أؤتيك صورة غدا

اليوم مررت عليه وحصلت علي الصورة ، قال لي أنها الصورة الوحيدة لها فالتقت نسخة منها بالهاتف المحمول

هي واحدة من ملايين المصريين الذي يمرون بالحياة .. ولا يعيشون لأن أموالا مستحقة لها معاشا شهريا خالصا لها في أيام شيخوختها

امتطت الرياح وسكنت في حسابات بنكية سويسرية ولندنية وبنامية …

لا أملك شئ لك يا سيدتي … وفات الوقت لأن أقبل رأسك أو ألتقط لك صورة حية وأنت تجلسين تنتزعين الرزق الحلال من هذه الدنيا

لا أملك سوى كلمات أضعها هنا ورحمات أرسلها لك .. ووعد بمتابعة حفيدك ذو الثانية عشر محمد الذي يدرس ويأتي ليجلس أمام طابور الأقلام

بائعة الأقلام وحفيدها وكل من سار في حياتهم .. المجد لهم المجد لهم وصلوات ورحمة... من ربهم


حكايات ١ : رزة خادمة سيدى أحمد البدوي




رزة .. خادمة سيدى 

هي من أجمل ما رأيت من النساء ...
وكأن الله تعالى أبقى فيها روح مصر ، التي فرت من أنفس كثيرة ، عندما ضاقت مساحات الأرض ، وابتعدت السماء ، روح قوية موصولة ،لا تأبه لما ترتدى من مرتق الثياب ، ولا ضيق رزق .. وشح حياة !
.. 
روح تتطاير بين جماعات النساء فتنثر البهجة والابتسامات الصافية لحضورها الآخاذ ، تفعل وهي تردد أغنية لا يغيب عنها بعض قبيح الكلام - أي نعم .. - 
دخلت في كادر المشهد وأنا منكفئة لقراءة القرآن في مساحة النساء في مسجد سيدى السيد أحمد البدوى .. فشاغبت روحي لتتابعها ، ارتفعت عيني لأراها تستند على تلك العصا
تتكئ عليها أحيانا … وتوجه بها أشعة البهجة ، فوق البنفسجية ، إلى النساء الجالسات في حلقات أحيانا أخرى 
فتضئ وجوه كل من تصله كلماتها بابتسامة لحظية ، كمن أشعل النور ، وكأنها ساحرة سندريلا الطيبة .. خرجت من صفحات الحكايا وتمثلت لي " إمرأة" بيضاء القلب والثياب في باحة سيدى السيد أحمد البدوي .. وها هي العلامة عصاها السحرية. 
توقفت خطوات بين حلقات النساء وأنا أتابعها عن بعد .. ولحظت أن روحها الوثابة تصمت وتكمن فجأة، ويشوب وجهها تأفف عارض من شح عطايا الجالسات ، فأشير لها بالإقتراب ليمنحها الله ما أراد من يدى ، ويمنحني من قلبها الأبيض ما أراد من طيب الدعاء .
وكأنني لامست منها الروح فاتصلت دائر الوصل لتسرى من قلبها إليّ الحكايات … 
ما اسمك ؟..سألتها فأجابت
" رزة .. أم حسن وأم عائشة .. عائشة حبيبتي تحممني " تقول بشغب وابتسامة ، وقوة روح ما رأيتها من قبل في النساء ، أصمت وأبتسم .. فينساب خيط الحكايات الحريري من فمها … عن حسن وزوجته العبوس ، ورزق تضعه في يد الابن الوحيد ليكف يد غير حنون عنها ، يد تدفعها زوجة ليست بارة بأم زوج مسنة ، تتلقي لوم الجيران أنها تفعل بصبي ضيق الرزق …
أصمت وأبتسم وأنصت ... وأكف أسئلتي انبهارا ببهجة متدفقة … فتبعد خطواتها تجاه جارتي وما تتركني ، فيمتد خيط الوصل وما ينقطع .. ، بعد أن وضعت قدم ثابتة من روحها البيضاء في باحة روحي … 
***
أترك ابتسامتي عن شفتي وأعيد عيني لصفحات القرآن ، حتى بعد ابتعادها ، وبعد لم أعد أسمع من صوتها سوى سقسقة ضعيفة … 
تشاغلني السقسقة .. فأرفع رأسي وأحاول استراق السمع لها وهي تحكى .. فلا تفسر أذني الحروف، لكن وجه جارتي والابتسامة التي تغمره يخبراني عن لذيذ وصل وخيط حريري آخر من الحكايات يمتد للجارة من قلب "رزة" !

أغلق المصحف وأخرج الهاتف … واجلةٌ أقترب وأسألها إن كانت تسمح لي بالتقاط صورة معها .. فتضمني ضمة جانبية مفاجأة ، وكأن روحي لامست عصفور يأخذه النزق ، يهدأ بصعوبة للحظة للإلتقاط الصورة .. وقبل أن ينفلت يميل على جانبي ويترك قبلة !
" رزة " خادمة مسجد سيدى السيد أحمد البدوى ، لو رأيتها لربما أخذك الألم من هيئتها البسيطة ، لكنك لو علمت مقدار ما مُنِحت لأستولت الغيرة على قلبك .. رضا من الله وسعادة وحبور ووصل غير منقطع بسر الحياة
***
طفت في الأرض ما طفت .. 
وفي مصر أخذتني خطواتي شمالا شرقا جنوبا غربا .. كيفما اتسع الوقت
وقابلت من النساء من قابلت 
أما شبيه لرزة .. فوالله .. ما رأيت !
سابقا تسآءلت عن روح مصر وعن سرها 
لماذا كل سعى وراء مجد جاءها تقربا .. وتلمسا للبركة 
جاءها الاسكندر وجاءها نابليون وجاءها غيرهم
ومن العارفين بالله جاءها الشاذلي والبدوى والشافعي، وقدموا فيها عظيم إنتاجهم، وكانت فيها خاتمتهم.
وحتى الآن .. ورغم كل المعوجات 
يقصدها ويأتي إليها كل من شغفته حبا 
أذكر الإعلامية السودانية التي التقتني مصادفة في محل لملابس النساء وما أن بدأ حديث السياسة .. أخذت تعنفني دون مساحة من عشم أن " مصر .. ليست لكم .. مصر تخص العالم" ... عندمت دافعن عن أهل التحرير واعتصامهم..
لأستمر بين حين وآخر أسأل نفسي عن سر مصر ويلغز على الجواب،..
... حتى رأيت "رزة" البيضاء " القلب والثياب" 
لو كان سر روح مصر يكمن في كائن ما على أرض هذا الوطن .. فهذا الكائن هو "رزة" خادمة مسجد سيدى أحمد البدوى ..
عزيزي .. عزيزتي 
إذا كنت بالديار المصرية .. إذهب لمسجد سيدي السيد أحمد البدوى 
قابل "رزة" وصافحها .. استمع منها لحكاية أوأغنية .. اسمح.لقلبك. أن يلامس.النور !